الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

تفسير قوله تعالى من كان يريد العاجلة عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد ثم جعلنا له جهنم

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

وإن الله تعالى هو المعطي الوهاب يعطي عباده ما يريدون من حظوظ الدنيا والآخرة، ولذا قال سبحانه:

من كان يريد العاجلة عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد ثم جعلنا له جهنم يصلاها مذموما مدحورا .

(كان) هنا للدلالة على الرغبة المستمرة، والإرادة الدائمة ما دام على قيد الحياة، و (العاجلة) وصف للدنيا؛ أي الدنيا العاجلة ومتعها، وجعلها غايته، ومرمى همته، ومطرح نظره، ولم يكن له هم سواها، وذكر الوصف دون الموصوف للإشارة إلى سبب الرغبة، وهو كونها قريبة دانية، فصاحب هذه الإرادة لا يريد إلا المنافع العاجلة، وإن كانت زائلة، ولا يريد المنافع الآجلة، وإن كانت هي الباقية، وقد كان جواب الشرط عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد وفي الكلام جناس بين (عاجلة) ، و(عجلنا). وإنه يتلهف للعاجلة، فيشبع الله تعالى نهمته [ ص: 4356 ] بالتعجيل بما أراد، ولكنه سبحانه يسير خلقه بحكمة؛ فهو يعطي بحكمة، ويمنع لحكمة، ولذا لم يقل سبحانه إنه يعطيهم من العاجلة بما يشاءون، ولا أنه يعطي الجميع، بل يعطي من يريد تسجيلا لمشيئته ولحكمته، وتثبيتا لإرادته واختياره، ولذا قال عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد فقيد العطاء بمشيئته، بالنسبة للعطاء فقد يعطي هذا المال، ولا يعطيه الصحة، وقد يعطيه السلطان، ولا يعطيه العزة، وقد يعطي هذا الجاه، ولا يعطيه إلا الذل والهوان، والعيش الدون في ذلة، وفي الجملة يعطي العاجلة، ولكن ليست كلها، ولا يعطي العاجلة كل من يريدها بل يعطيها من اتخذ أسبابها، ولم يتنكب طريقه، فيجتمع له مع كفره ذل الدنيا وعذاب الآخرة.

فيعطى طالب الدنيا هذا، وينال ما يشاء الله وبعض ما يتمناه، وهو في الآخرة ينال الحسرة والعذاب، ولذا قال تعالى: ثم جعلنا له جهنم يصلاها مذموما مدحورا أي جعلنا له ومن اختصاصه بشكل دائم جهنم يتخذها مثوى دائما ومستقرا، ويصلى نارها، ويقال له ذق إنك أنت العزيز الكريم حال كونه (مذموما) لا يمدح أبدا، و (مدحورا) ، أي مطرودا من رحمة الله، ورضاه فلا ينظر الله إليهم، ولا يكلمهم. .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث