الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

[ ص: 681 ] الإيمان بالمعاد وقيام الساعة


وبالمعاد أيقن بلا تردد ولا ادعا علم بوقت الموعد     لكننا نؤمن من غير امترا
بكل ما قد صح عن خير الورى     من ذكر آيات تكون قبلها
وهي علامات وأشراط لها



( وبالمعاد ) وهو المرد إلى الله عز وجل والإياب إليه ( أيقن ) استيقن بذلك يقينا جازما ( بلا تردد ) ، هذا هو الركن الخامس من أركان الإيمان وهو الإيمان باليوم الآخر وما يدخل فيه ، قال الله تعالى : ( والذين يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك وبالآخرة هم يوقنون ) ( البقرة : 4 ) وقال تعالى : ( ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر ) ( البقرة : 177 ) الآية . وقال تعالى : ( يا أيها الذين آمنوا أنفقوا مما رزقناكم من قبل أن يأتي يوم لا بيع فيه ولا خلة ولا شفاعة والكافرون هم الظالمون ) ( البقرة : 254 ) وقال تعالى : ( يا أيها الذين آمنوا لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى كالذي ينفق ماله رئاء الناس ولا يؤمن بالله واليوم الآخر فمثله كمثل صفوان عليه تراب فأصابه وابل فتركه صلدا لا يقدرون على شيء مما كسبوا والله لا يهدي القوم الكافرين ) ( البقرة : 264 ) وقال تعالى : ( واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله ثم توفى كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون ) ( البقرة : 281 ) وقال تعالى : ( والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا وما يذكر إلا أولو الألباب ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب ربنا إنك جامع الناس ليوم لا ريب فيه إن الله لا يخلف الميعاد ) ( آل عمران : 7 - 9 ) وقال تعالى : ( فكيف إذا جمعناهم ليوم لا ريب فيه ووفيت كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون ) ( آل عمران : 25 ) وقال تعالى : ( والذين ينفقون أموالهم رئاء الناس ولا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ومن يكن الشيطان له قرينا فساء قرينا وماذا عليهم لو آمنوا بالله واليوم الآخر وأنفقوا مما رزقهم الله ) ( النساء : 38 - 39 ) الآيات .

[ ص: 682 ] وقال تعالى : ( الله لا إله إلا هو ليجمعنكم إلى يوم القيامة لا ريب فيه ومن أصدق من الله حديثا ) ( النساء : 87 ) وقال تعالى : ( من كان يريد حرث الآخرة نزد له في حرثه ) ( الشورى : 20 ) الآية . وقال تعالى : ( إن الذين لا يؤمنون بالآخرة زينا لهم أعمالهم فهم يعمهون ) ( النمل : 4 ) وقال تعالى : ( وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما إلا بالحق وإن الساعة لآتية فاصفح الصفح الجميل ) ( الحجر : 85 ) وقال تعالى : ( إن الساعة آتية أكاد أخفيها لتجزى كل نفس بما تسعى فلا يصدنك عنها من لا يؤمن بها واتبع هواه فتردى ) ( طه : 15 ، 16 ) وقال تعالى : ( وأن الساعة آتية لا ريب فيها وأن الله يبعث من في القبور ) ( الحج : 7 ) وقال تعالى : ( ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين قل عسى أن يكون ردف لكم بعض الذي تستعجلون ) ( النمل : 71 - 72 ) وقال تعالى في الآية الأخرى : ( قل لكم ميعاد يوم لا تستأخرون عنه ساعة ولا تستقدمون ) ( سبأ : 30 ) ( ويقولون متى هذا الفتح إن كنتم صادقين قل يوم الفتح لا ينفع الذين كفروا إيمانهم ولا هم ينظرون فأعرض عنهم وانتظر إنهم منتظرون ) ( السجدة : 28 - 29 ) وقال تعالى : ( إن في ذلك لآية لمن خاف عذاب الآخرة ذلك يوم مجموع له الناس وذلك يوم مشهود وما نؤخره إلا لأجل معدود ) ( هود : 103 - 104 ) وقال تعالى : ( يا أيها الناس اتقوا ربكم واخشوا يوما لا يجزي والد عن ولده ولا مولود هو جاز عن والده شيئا إن وعد الله حق فلا تغرنكم الحياة الدنيا ولا يغرنكم بالله الغرور ) ( لقمان : 33 ) وقال تعالى : ( يا أيها الناس إن وعد الله حق فلا تغرنكم الحياة الدنيا ولا يغرنكم بالله الغرور ) ( فاطر : 5 ) وقال تعالى : ( إن ما توعدون لآت وما أنتم بمعجزين ) ( الأنعام : 134 ) وقال تعالى : ( أتى أمر الله فلا تستعجلوه ) ( النحل : 1 ) وقال تعالى : ( أمن هو قانت آناء الليل ساجدا وقائما يحذر الآخرة ويرجو رحمة ربه ) ( الزمر : 9 ) وقال تعالى : ( إن الساعة لآتية لا ريب فيها ولكن أكثر الناس لا يؤمنون ) ( غافر : 59 ) وقال تعالى : ( فاصبر صبرا جميلا إنهم يرونه بعيدا ونراه قريبا ) [ ص: 683 ] ( المعارج : 5 ) وقال تعالى : ( فذرهم يخوضوا ويلعبوا حتى يلاقوا يومهم الذي يوعدون ) ( الزخرف : 83 ) الآيات . وقال : ( إذا وقعت الواقعة ) ( الواقعة : 1 ) إلخ السورة ، وقال تعالى : ( يوفون بالنذر ويخافون يوما كان شره مستطيرا ) ( الإنسان : 7 ) إلى آخر السورة .

قال تعالى : ( والذاريات ذروا فالحاملات وقرا فالجاريات يسرا فالمقسمات أمرا إنما توعدون لصادق وإن الدين لواقع ) ( الذاريات : 1 - 6 ) وقال تعالى : ( إنما توعدون لواقع فإذا النجوم طمست وإذا السماء فرجت وإذا الجبال نسفت وإذا الرسل أقتت لأي يوم أجلت ليوم الفصل وما أدراك ما يوم الفصل ويل يومئذ للمكذبين ) ( المرسلات : 7 - 15 ) إلى آخر السورة والتي تليها والتي تليها والتي تليها والتي تليها والتي تليها والتي تليها والتي تليها وغيرها من الآيات ، بل وغيرها من السور ، وسيأتي إن شاء الله مزيد نصوص في اللقاء والبعث والنشور .

( و ) بـ ( لا ادعا ) بالقصر للوزن وهو مصدر ادعى يدعي ادعاء ( علم ) بوقت الموعد متى هو ، فإن ذلك من مفاتح الغيب التي لا يعلمها إلا الله عز وجل ، قال تعالى : ( وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو ) ( الأنعام : 59 ) الآية . وقال تعالى : ( يسألونك عن الساعة أيان مرساها قل إنما علمها عند ربي لا يجليها لوقتها إلا هو ثقلت في السماوات والأرض لا تأتيكم إلا بغتة يسألونك كأنك حفي عنها قل إنما علمها عند الله ولكن أكثر الناس لا يعلمون ) ( الأعراف : 187 ) والتي بعدها .

وقال تعالى : ( بل تأتيهم بغتة فتبهتهم فلا يستطيعون ردها ولا هم ينظرون ) ( الأنبياء : 40 ) وقال تعالى : ( إن الله عنده علم الساعة وينزل الغيث ويعلم ما في الأرحام ) ( لقمان : 34 ) الآية . وقال تعالى : ( إليه يرد علم الساعة وما تخرج من ثمرات من أكمامها وما تحمل من أنثى ولا تضع إلا بعلمه ) ( فصلت : 47 ) الآيات .

وقال تعالى : ( فاصبر كما صبر أولو العزم من الرسل ولا تستعجل لهم كأنهم يوم يرون ما يوعدون لم يلبثوا إلا ساعة من نهار بلاغ فهل يهلك إلا القوم الفاسقون ) [ ص: 684 ] ( الأحقاف : 35 ) وقال تعالى : ( وما يدريك لعل الساعة تكون قريبا ) ( الأحزاب : 63 ) وقال تعالى : ( وما يدريك لعل الساعة قريب يستعجل بها الذين لا يؤمنون بها والذين آمنوا مشفقون منها ويعلمون أنها الحق ألا إن الذين يمارون في الساعة لفي ضلال بعيد ) ( الشورى : 17 - 18 ) وقال تعالى : ( ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين قل إنما العلم عند الله وإنما أنا نذير مبين فلما رأوه زلفة سيئت وجوه الذين كفروا وقيل هذا الذي كنتم به تدعون ) ( الملك : 25 - 27 ) وقال تعالى : ( يسألونك عن الساعة أيان مرساها فيم أنت من ذكراها إلى ربك منتهاها إنما أنت منذر من يخشاها كأنهم يوم يرونها لم يلبثوا إلا عشية أو ضحاها ) ( النازعات : 42 - 46 ) وغيرها من الآيات .

وتقدم حديث جبريل المشهور قوله عليه السلام للنبي صلى الله عليه وسلم : " أخبرني عن الساعة ؟ قال : ما المسؤول عنها بأعلم من السائل " الحديث .

وروى الإمام أحمد في مسنده عن بريدة رضي الله عنه قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " خمس لا يعلمها إلا الله عز وجل : ( إن الله عنده علم الساعة وينزل الغيث ويعلم ما في الأرحام وما تدري نفس ماذا تكسب غدا وما تدري نفس بأي أرض تموت إن الله عليم خبير ) " .

وروى البخاري عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " مفاتح الغيب خمس ، ثم قرأ : ( إن الله عنده علم الساعة ) " .

وفي الصحيحين أن أعرابيا أتى النبي صلى الله عليه وسلم فناداه بصوت جهوري فقال : يا محمد . قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : هاؤم - على نحو ما صوته - قال : يا محمد ، متى [ ص: 685 ] الساعة ؟ فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : ويحك إن الساعة آتية فما أعددت لها ؟ قال : ما أعددت لها كبير صلاة ولا صيام ولكني أحب الله ورسوله . فقال له رسول الله : المرء مع من أحب " . فما فرح المسلمون بشيء فرحهم بهذا الحديث . ففيه أنه عليه الصلاة والسلام كان إذا سئل عن هذا الذي لا يحتاجون إلى علمه أرشدهم إلى ما هو الأهم في حقهم وهو الاستعداد لوقوع ذلك والتهيؤ له قبل نزوله وإن لم يعرفوا تعيين وقته .

ولمسلم عن عائشة رضي الله عنها قالت : كانت الأعراب إذا قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم سألوه عن الساعة متى الساعة ، فينظر إلى أحدث إنسان منهم فيقول : " إن يعش هذا لم يدركه الهرم قامت عليكم ساعتكم " ؛ يعني بذلك موتهم الذي يفضي بهم إلى الحصول في برزخ الدار الآخرة .

وله عن أنس رضي الله عنه أن رجلا سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الساعة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن يعش هذا الغلام فعسى أن لا يدركه الهرم حتى تقوم الساعة " . وفي رواية أن رجلا سأل النبي صلى الله عليه وسلم قال : متى الساعة ؟ فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم هنيهة ثم نظر إلى غلام بين يديه من أزد شنوءة فقال : " إن عمر هذا لم يدركه الهرم حتى تقوم الساعة " . قال أنس : ذلك الغلام من أترابي . وفي رواية عن أنس قال : مر غلام للمغيرة بن شعبة وكان من أترابي فقال النبي صلى الله عليه وسلم : [ ص: 686 ] " إن يؤخر هذا لم يدركه الهرم حتى تقوم الساعة " .

وفي صحيح البخاري عن أنس رضي الله عنه أن رجلا من أهل البادية أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله متى الساعة قائمة ؟ قال : " ويلك ، وما أعددت لها ؟ قال : ما أعددت لها إلا أني أحب الله ورسوله . قال : إنك مع من أحببت . فقلنا : ونحن كذلك ؟ قال : نعم . " ففرحنا يومئذ فرحا شديدا . فمر غلام للمغيرة وكان من أقراني فقال : إن أخر هذا فلن يدركه الهرم حتى تقوم الساعة " . قال ابن كثير رحمه الله تعالى : وهذا الإطلاق في هذه الروايات محمول على التقييد بساعتكم في حديث عائشة رضي الله عنها . وقال ابن جريج : أخبرني أبو الزبير أنه سمع جابر بن عبد الله يقول : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول قبل أن يموت بشهر : " تسألون عن الساعة ، وإنما علمها عند الله ، وأقسم بالله ما على وجه ظهر الأرض اليوم من نفس منفوسة تأتي عليها مائة سنة " رواه مسلم .

وفي الصحيحين عن ابن عمر مثله ، قال ابن عمر : وإنما أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم انخرام ذلك القرن .

وروى أحمد عن ابن مسعود رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " لقيت ليلة أسري بي إبراهيم وموسى وعيسى فتذكروا أمر الساعة ، قال : فردوا أمرهم إلى إبراهيم عليه السلام فقال : لا علم لي بها ، فردوا أمرهم إلى موسى فقال : لا علم لي بها ، فردوا أمرهم إلى عيسى فقال عيسى : أما وجبتها فلم يعلم بها أحد إلا الله عز وجل ، وفيما عهد إلي ربي عز وجل أن الدجال خارج ، قال ومعي قضيبان ، فإذا رآني ذاب كما يذوب الرصاص ، وقال فيهلكه الله عز وجل ، ثم [ ص: 687 ] يرجع الناس إلى بلادهم وأوطانهم ، قال فعند ذلك يخرج يأجوج ومأجوج وهم من كل حدب ينسلون ، فيطئون بلادهم لا يأتون على شيء إلا أهلكوه ولا يمرون على ماء إلا شربوه . قال : ثم يرجع الناس إلي فيشكونهم فأدعوا لله عز وجل عليهم فيهلكهم ويميتهم حتى تجوى الأرض من نتن ريحهم ؛ أي تنتن . قال : فينزل الله عز وجل المطر فيجترف أجسادهم حتى يقذفهم في البحر . قال الإمام أحمد : قال يزيد بن هارون : ثم تنسف الجبال وتمد الأرض مد الأديم " ، ثم رجع إلى حديث هشيم قال : " ففيما عهد إلي ربي عز وجل أن ذلك إذا كان كذلك فإن الساعة كالحامل المتم لا يدري أهلها متى تفجأهم بولادتها ليلا أو نهارا " . ورواه ابن ماجه بنحوه . قال ابن كثير رحمه الله تعالى : هؤلاء أكابر أولي العزم من الرسل ليس عندهم علم بوقت الساعة على التعيين وإنما ردوا الأمر إلى عيسى عليه السلام فتكلم على أشراطها ؛ لأنه ينزل في آخر هذه الأمة منفذا ببركة دعائه ، فأخبر بما أعلمه الله تعالى به .

وروى الإمام أحمد عن حذيفة قال : سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الساعة فقال : " علمها عند ربي لا يجليها لوقتها إلا هو ، ولكن سأخبركم بمشاريطها وما يكون بين يديها ، إن بين يديها فتنة وهرجا . قالوا : يا رسول الله ، الفتنة قد عرفناها فما الهرج ؟ قال : بلسان الحبشة القتل . قال : ويلقى بين الناس التناكر فلا يكاد أحدهم يعرف أحدا " .

وروى النسائي عن طارق بن شهاب قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يزال يذكر من [ ص: 688 ] شأن الساعة حتى نزلت : ( يسألونك عن الساعة أيان مرساها ) ( النازعات : 42 ) الآية . وإسناده جيد قوي ، قال ابن كثير رحمه الله تعالى : فهذا النبي الأمي سيد الرسل وخاتمهم محمد صلوات الله وسلامه عليه نبي الرحمة ونبي التوبة ونبي الملحمة والعاقب والمقفى والحاشر الذي يحشر الناس على قدميه مع قوله فيما ثبت عنه في الصحيح من حديث أنس وسهيل بن سعد رضي الله عنهما : " بعثت أنا والساعة كهاتين . وقرن بين إصبعيه السبابة والتي تليها " ومع هذا كله قد أمره الله تعالى أن يرد علم وقت الساعة إليه إذا سئل عنها فقال : ( قل إنما علمها عند ربي لا يجليها لوقتها إلا هو ثقلت في السماوات والأرض لا ) ( الأعراف : 187 ) اهـ .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث