الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

فصل في إضافة الطلاق إلى الزمان

جزء التالي صفحة
السابق

فصل في إضافة الطلاق إلى الزمان [ ص: 26 ] ( ولو قال : أنت طالق غدا وقع عليها الطلاق بطلوع الفجر ) لأنه وصفها بالطلاق في جميع الغد وذلك بوقوعه في أول جزء منه . ولو نوى به آخر النهار صدق ديانة لا قضاء لأنه نوى التخصيص في العموم ، وهو يحتمله لكنه مخالف للظاهر ( ولو قال : أنت طالق اليوم غدا أو غدا اليوم يؤخذ بأول الوقتين الذي تفوه به ) فيقع في الأول في اليوم وفي الثاني في الغد ، لأنه لما قال : اليوم كان تنجيزا والمنجز لا يحتمل الإضافة ، [ ص: 27 ] وإذا قال : غدا كان إضافة والمضاف لا يتنجز لما فيه من إبطال الإضافة فلغا اللفظ الثاني في الفصلين .

التالي السابق


( فصل في إضافة الطلاق إلى الزمان ) . ذكر في باب إيقاع الطلاق فصولا متعددة باعتبار تنوع الإيقاع : أي ما به الإيقاع على ما قدمناه إلى مضاف وموصوف ومشبه وغيره معلق بمدخول بها وغير مدخول بها ، وكل منها صنف تحت ذلك الصنف المسمى بابا [ ص: 26 ] كما أن الباب يكون تحت الصنف المسمى كتابا ، والكل تحت الصنف الذي هو نفس العلم المدون فإنه صنف عال ، والعلم مطلقا بمعنى الإدراك جنس وما تحته من اليقين والظن نوع ، والعلوم المدونة تكون ظنية كالفقه ، وقطعية كالكلام والحساب والهندسة ، فواضع العلم لما لاحظ الغاية المطلوبة له فوجدها تترتب على العلم بأحوال شتى أو أشياء من جهة خاصة فوضعه ليبحث عن أحواله من تلك الجهة فقد قيد ذلك النوع من العلم بعارض كلي فصار صنفا ، وقيل للواضع صنف العلم ، أي جعله صنفا فالواضع أولى باسم المصنف من المؤلفين .

وإن صح أيضا فيهم وعلم بما ذكرنا أنها تتباين مندرجة تحت صنف أعلى لتباين العوارض المقيد بكل منها النوع وأن ما ذكر من نحو كتاب الحوالة اللائق به خلاف تسميته بكتاب ( قوله ولو قال : أنت طالق غدا وقع الطلاق عليها بطلوع فجره لأنه وصفها بالطلاق في جميع الغد ) لأن جميعه هو مسمى الغد ، ولو نوى آخر النهار جاز فيما بينه وبين الله تعالى لا في القضاء لأنه خلاف الظاهر ( وقوله لأنه نوى التخصيص في العموم ) تنزيل للأجزاء منزلة الأفراد ، وإلا فلفظ غدا نكرة في الإثبات فليس من صيغ العموم ( قوله ولو قال : أنت طالق اليوم غدا أو غدا اليوم يقع في أول الوقتين الذي تفوه به ) أما الأول فلأنه نجزه فلا يرجع متأخرا إلى وقت في المستقبل .

وأورد عليه أنه لم لم يعتبر لإضافة أخرى لا لإضافة عين ما نجز ؟ والجواب أن اعتبار كلامه إيقاعا للحاجة وهي مرتفعة بالواحدة ولا ضرورة أخرى تجب لمراعاتها وقوع أخرى ، فإنها إذا طلقت اليوم كانت غدا كذلك ، حتى لو كانت بالعطف بأن قال : أنت طالق اليوم وغدا أو أول النهار وآخره لا يقع إلا واحدة لأنها طالق في الغد وآخر النهار بطلاقها في اليوم وأول النهار ، وقد طولب بالفرق بين هذه وبين قوله أنت طالق اليوم إذا جاء غد فإنها لا تطلق إلا بطلوع الفجر فتوقف المنجز لاتصال مغير الأول بالآخر فلم لم يتوقف باتصال الإضافة كما توقف باتصال الشرط [ ص: 27 ] وكلاهما مغير للتنجيز ؟

فظهر أنه مضاف لا أنه طلاق آخر ، وعلى هذا التقرير يسقط الجواب بأن ذكر الشرط يبين أن قوله اليوم لبيان وقت التعليق لا لبيان وقت الوقوع ، وما نحن فيه ليس فيه ذكر الشرط فيبقى قوله اليوم بيانا لوقت الوقوع وهو ظاهر ، وكذا يسقط الجواب بأن طالق اليوم إيقاع في الحال ، وإذا جاء غد تعليق فلا بد من اعتبار أحدهما للتنافي واعتبار المعلق أولى لأن في اعتباره إلغاء كلمة واحدة وهي لفظة " اليوم " ، وفي اعتبار المنجز إلغاء كلمات وهي قوله إذا جاء غد لأنه لم يقع الفرق في الجوابين بأنه لم توقف فلم يكن تنجيزا مع اتصال المغير الشرطي ولما لم يتوقف فكان تنجيزا مع اتصال المغير الإضافي .

فإن قيل : لم لم يجعل الثاني ناسخا ؟ أجيب بأن النسخ فرع ثبوت الأول وتقرره ، وتقرر الطلاق الأول وثبوت وقوعه لا يمكن رفعه بعد ذلك وتأخيره . وأما الثاني وهو قوله طالق غدا اليوم فلأنه وقع مستقيما مضافا وبعدما صح مضافا إلى غد لا يكون بعينه منجزا بل لو اعتبر كان تطليقة أخرى ، وإنما وصفها بتطليقة واحدة لأنها لزمت إضافتها إلى الغد فلزم إلغاء اللفظ الثاني ضرورة ، ولا يمكن جعله ناسخا للأول لأن النسخ إنما يكون بكلام مستبد في نفسه متراخ وهو منتف هنا .

فإن قلت : فما وجوه المسألة إذا وسطت الواو ؟ فالجواب إذا قدم المتقدم من الوقتين كأنت طالق أول النهار وآخره أو اليوم وغدا أو في ليلك ونهارك وهو في الليل أو قلبه وهو في النهار وقعت واحدة لعدم الحاجة إلى الأخرى لأنها بطلاقها في أول الوقتين تكون طلاقا في آخرهما ، ولو نوى أن يقع عليها اليوم واحدة وغدا واحدة صح ووقعت ثنتان ، وكذا طالق اليوم وغدا وبعد غد يقع واحدة بلا نية ، فإن نوى ثلاثا متفرقة على ثلاثة أيام وقعن كذلك .

وإن قدم المتأخر كطالق غدا واليوم أو في نهارك وليلك وهو في الليل أو قلبه وهو في النهار فعن زفر كذلك تقع واحدة وعندنا يقع ثنتان ، لأن الأول وقع مضافا صحيحا والواو في عطف المفرد وهو المسمى بالجملة الناقصة يوجب تقدير ما في الأولى بما بعدها فصار الحاصل أنت طالق غدا وأنت طالق اليوم ، وقد نقل الخلاف بيننا وبين زفر فيما لو قال : أنت طالق كل يوم ; فعند زفر يقع ثلاث في ثلاثة أيام لأنه موقع في كل يوم قلنا اللازم وهو كونها طالقا في كل يوم يحصل بإيقاعه في هذا اليوم فقط غير متوقف على اعتباره موقعا كل يوم ، ولا يخفى أن نقل هذا الخلاف مع الرواية عنه في طالق غدا واليوم يقع واحدة مشكل ، لأن كل يوم إما أن يتعين اليوم وغدا وبعد غد إلى آخر الزمان فتقع واحدة أو قلبه غدا وما بعده واليوم فكذلك ، وكذا لو قال : أنت طالق أبدا لم تطلق إلا واحدة ، فلو نوى أن يطلق كل يوم تطليقة أخرى صحت نيته ، وفي هذه المسألة ما قدمناه من البحث أول كتاب الطلاق في أنت طالق للسنة .

وحاصل ما يقع به جواب ما قدمناه أن صحة نية الثلاث إما باعتبار إضمار التطليق كأنه قال : طالق كل يوم تطليقة أو بإضمار في كأنه قال : في كل يوم ، ولو قال : في كل يوم طلقت ثلاثا في كل يوم واحدة وهو ما قاس عليه زفر . وفرقوا بأن " في " للظرف والزمان إنما هو ظرف من حيث الوقوع فيلزم من كون كل يوم فيه وقوع تعدد [ ص: 28 ] الواقع ، بخلاف كون كل يوم فيه الاتصاف بالواقع .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث