الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

الآية الثانية قوله تعالى قل يتوفاكم ملك الموت الذي وكل بكم

الآية الثانية

قوله تعالى : { قل يتوفاكم ملك الموت الذي وكل بكم ثم إلى ربكم ترجعون } .

قال القاضي : هذه الآية لم يذكرها من طالعت كلامه في جميع الأحكام القرآنية ، وذكرها القرطبي في كتب الفقه خاصة منتزعا بها لجواز الوكالة من قوله : { الذي وكل بكم } وهذا أخذ من لفظه ، لا من معناه ; فإن كل فاعل غير الله إنما يفعل بما خلق الله فيه من الفعل ، لا بما جعل إليه ، حسبما بيناه في أصول الدين . ولو اطرد ذلك لقلنا في قوله : { قل يأيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا } أنها نيابة عن الله تعالى ، ووكالة في تبليغ رسالته ، ولقلنا أيضا في قوله : { وآتوا الزكاة } إنه وكالة في أن الله ضمن الرزق لكل دابة ، وخص الأغنياء بالأغذية ، وأوعز إليهم بأن رزق الفقراء عندهم ، وأمرهم بتسليمه إليهم ، مقدرا معلوما في وقت معلوم ، ودبره بعلمه ، وأنفذه من حكمه ، وقدره بحكمته ، حسبما بيناه في موضعه .

ولا تتعلق الأحكام بالألفاظ ، إلا أن ترد على موضوعاتها الأصلية في مقاصدها المطلوبة ، فإن ظهرت في غير مقصدها لم تعلق عليها مقاصدها . ألا ترى أن البيع والشراء معلوم اللفظ والمعنى ، وقد قال الله تعالى : { إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة } .

ولا يقال : هذه الآية دليل على جواز مبايعة السيد لعبده ; لأن المقصودين مختلفان . [ ص: 534 ] وهذا غرض شب طوق أصحابنا عنه ، فإذا أرادوا لبسه لم يستطيعوا جوبه ، ولا وجد امرؤ منهم جيبه .

وقد تكلمنا على هذه الآية في المشكلين ، وأحسن ما قيدنا فيها عن الإسفراييني ، من طريق الشهيد أبي سعيد المقدسي أن الله هو الخالق لكل شيء ، الفاعل حقيقة لكل فعل ، في أي محل كان ، ومتى ترتب المحال ، وتناسقت الأفعال فالكل إليه راجعون ، وعلى قدرته محالون ، ومن فعله محسوب ، وفي كتابه مكتوب ; وقد خلق ملك الموت ، وخلق على يديه قبض الأرواح ، واستلالها من الأجسام ، وإخراجها منها على كيفية بيناها في كتب الأصول ، وخلق جندا يكونون معه ، يعملون عمله بأمره مثنى وفرادى . والباري تعالى خالق الكل ، فأخبر عن الأحوال الثلاثة بثلاث عبارات ، فقال : { الله يتوفى الأنفس حين موتها والتي لم تمت في منامها } ، إخبارا عن الفعل الأول ، وهو الحقيقة .

وقال في الآية الأخرى : { قل يتوفاكم ملك الموت الذي وكل بكم } خبرا عن المحل الأول الذي نيط به ، وخلق فعله فيه .

وقال : { ولو ترى إذ يتوفى الذين كفروا الملائكة } ، وما أشبه ذلك من ألفاظ الحديث خبرا عن الحالة الثانية التي تباشر فيها ذلك . فالأولى حقيقة عقلية إلهية ، والثانية حقيقة عرفية شرعية بحكم المباشرة .

وقال : ملك الموت إن باشر مثلها وإن أمر فهو كقولهم : حد الأمير الزاني وعاقب الجاني . وهذه نهاية في تحقيق القول .

قال ابن العربي : أما إنه إذا لم يكن بد من التسور على المعاني ، ودفع الجهل عنها في غير موضعها ، والإعراض عن المقاصد في ذلك ، فيقال : إن هذه الآية دليل على أن للقاضي أن يستنيب من يأخذ الحق ممن هو عليه قسرا دون أن يكون له في ذلك فعل أو يرتبط به رضا إذا وجد ذلك . [ ص: 535 ] وهو التحقيق الحاضر الآن ، وتمامه في الكتاب الكبير . .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث