الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب مجادلة المشركين رسول الله صلى الله عليه وسلم وإقامته الحجة الدامغة عليهم

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

[ ص: 152 ] باب : مجادلة المشركين رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وإقامته الحجة الدامغة عليهم ، واعترافهم في أنفسهم بالحق ، وإن أظهروا المخالفة ; عنادا وحسدا ، وبغيا ، وجحودا

قال إسحاق بن راهويه : حدثنا عبد الرزاق عن معمر عن أيوب السختياني عن عكرمة عن ابن عباس أن الوليد بن المغيرة جاء إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقرأ عليه القرآن ، فكأنه رق له ، فبلغ ذلك أبا جهل فأتاه ، فقال : يا عم ، إن قومك يريدون أن يجمعوا لك مالا . قال : لم ؟ قال : ليعطوكه ، فإنك أتيت محمدا لتعرض لما قبله . قال : قد علمت قريش أني أكثرها مالا . قال : فقل فيه قولا يبلغ قومك أنك منكر له . قال : وماذا أقول ؟ فوالله ما منكم رجل أعلم بالأشعار مني ، ولا أعلم برجزه ، ولا بقصيده مني ، ولا [ ص: 153 ] بأشعار الجن ، والله ما يشبه الذي يقول شيئا من هذا ، ووالله إن لقوله الذي يقوله حلاوة ، وإن عليه لطلاوة ، وإنه لمثمر أعلاه ، مغدق أسفله ، وإنه ليعلو ولا يعلى ، وإنه ليحطم ما تحته . قال : لا يرضى عنك قومك حتى تقول فيه . قال : فدعني حتى أفكر فيه . فلما فكر قال : هذا سحر يؤثر ; يأثره عن غيره فنزلت : ذرني ومن خلقت وحيدا وجعلت له مالا ممدودا وبنين شهودا الآيات . [ المدثر : 11 - 13 ] هكذا رواه البيهقي عن الحاكم عن أبي عبد الله محمد بن علي الصنعاني بمكة ، عن إسحاق به . وقد رواه حماد بن زيد عن أيوب عن عكرمة مرسلا . وفيه أنه قرأ عليه إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون [ النحل : 90 ]

وقال البيهقي : عن الحاكم عن الأصم عن أحمد بن عبد الجبار عن يونس بن بكير عن محمد بن إسحاق حدثني محمد بن أبي محمد عن سعيد بن جبير أو عكرمة عن ابن عباس أن الوليد بن المغيرة اجتمع ونفر من قريش ، وكان ذا سن فيهم ، وقد حضر الموسم ، فقال : إن وفود العرب ستقدم عليكم فيه ، وقد سمعوا بأمر صاحبكم هذا ، فأجمعوا فيه رأيا واحدا ولا [ ص: 154 ] تختلفوا فيكذب بعضكم بعضا ، ويرد قول بعضكم بعضا . فقيل : يا أبا عبد شمس فقل : وأقم لنا رأيا نقوم به . فقال : بل أنتم ، فقولوا وأنا أسمع . فقالوا : نقول : كاهن . فقال : ما هو بكاهن ; فقد رأيت الكهان ، فما هو بزمزمة الكهان . فقالوا : نقول : مجنون . فقال : ما هو بمجنون ، ولقد رأينا الجنون ، وعرفناه فما هو بخنقه ولا تخالجه ولا وسوسته . فقال نقول : شاعر . فقال : ما هو بشاعر ، قد عرفنا الشعر برجزه ، وهزجه ، وقريضه ، ومقبوضه ، ومبسوطه ، فما هو بالشعر قالوا فنقول : هو ساحر . قال : ما هو بساحر ، قد رأينا السحار وسحرهم ، فما هو بنفثه ، ولا بعقده . قالوا : فما نقول يا أبا عبد شمس ؟ قال : والله إن لقوله لحلاوة ، وإن أصله لمغدق ، وإن فرعه لجنى ، فما أنتم بقائلين من هذا شيئا إلا عرف أنه باطل ، وإن أقرب القول لأن تقولوا : ساحر . فتقولوا : هو ساحر يفرق بين المرء وأبيه ، وبين المرء وزوجته ، وبين المرء وأخيه ، وبين المرء وعشيرته . فتفرقوا عنه بذلك ، فجعلوا يجلسون للناس حتى قدموا الموسم ، لا يمر بهم أحد إلا حذروه إياه ، وذكروا لهم أمره ، وأنزل الله في الوليد قوله : ذرني ومن خلقت وحيدا وجعلت له مالا ممدودا وبنين شهودا الآيات . وفي أولئك النفر [ ص: 155 ] قوله : الذين جعلوا القرآن عضين فوربك لنسألنهم أجمعين عما كانوا يعملون [ الحجر : 91 - 93 ]

قلت : وفي ذلك قال الله تعالى إخبارا عن جهلهم وقلة عقلهم : بل قالوا أضغاث أحلام بل افتراه بل هو شاعر فليأتنا بآية كما أرسل الأولون [ الأنبياء : 5 ] . فحاروا ماذا يقولون فيه ، فكل شيء يقولونه باطل ; لأن من خرج عن الحق مهما قاله أخطأ ، قال الله تعالى : انظر كيف ضربوا لك الأمثال فضلوا فلا يستطيعون سبيلا [ الفرقان : 9 ]

وقال الإمام عبد بن حميد في " مسنده " : حدثني أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا علي بن مسهر عن الأجلح ، هو ابن عبد الله الكندي عن الذيال بن حرملة الأسدي عن جابر بن عبد الله قال : اجتمع قريش يوما ، فقالوا : انظروا أعلمكم بالسحر والكهانة والشعر ، فليأت هذا الرجل الذي فرق جماعتنا ، وشتت أمرنا ، وعاب ديننا ، فليكلمه ولينظر ماذا يرد عليه ، فقالوا : ما نعلم أحدا غير عتبة بن ربيعة . فقالوا : أنت يا أبا الوليد . فأتاه عتبة فقال : يا محمد أنت خير أم عبد الله ؟ فسكت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - . فقال : أنت خير أم عبد المطلب ؟ فسكت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - . فقال : إن كنت تزعم أن هؤلاء خير منك ، فقد عبدوا الآلهة التي عبت ، وإن كنت تزعم أنك خير منهم فتكلم حتى [ ص: 156 ] نسمع قولك ، إنا والله ما رأينا سخلة قط أشأم على قومه منك ; فرقت جماعتنا ، وشتت أمرنا ، وعبت ديننا ، وفضحتنا في العرب ، حتى لقد طار فيهم أن في قريش ساحرا ، وأن في قريش كاهنا ، والله ما ننتظر إلا مثل صيحة الحبلى ، أن يقوم بعضنا إلى بعض بالسيوف حتى نتفانى ، أيها الرجل إن كان إنما بك الحاجة ، جمعنا لك حتى تكون أغنى قريش رجلا ، وإن كان إنما بك الباءة فاختر أي نساء قريش شئت ، فلنزوجك عشرا . فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " فرغت ؟ " . قال : نعم . فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " بسم الله الرحمن الرحيم حم تنزيل من الرحمن الرحيم كتاب فصلت آياته قرآنا عربيا لقوم يعلمون إلى أن بلغ فإن أعرضوا فقل أنذرتكم صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود فقال عتبة : حسبك حسبك ، ما عندك غير هذا ؟ قال : " لا " . فرجع إلى قريش ، فقالوا : ما وراءك ؟ قال ما تركت شيئا أرى أنكم تكلمونه إلا كلمته . قالوا : فهل أجابك ؟ فقال : نعم . ثم قال : لا والذي نصبها بنية ، ما فهمت شيئا مما قال ، غير أنه أنذركم صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود . قالوا : ويلك يكلمك الرجل بالعربية لا تدري ما قال ؟ ! قال : لا والله ، ما فهمت شيئا مما قال ، غير ذكر الصاعقة .

[ ص: 157 ] وقد رواه البيهقي وغيره عن الحاكم عن الأصم عن عباس الدوري عن يحيى بن معين عن محمد بن فضيل عن الأجلح به . وفيه كلام ، وزاد : وإن كنت إنما بك الرياسة عقدنا ألويتنا لك ، فكنت رأسنا ما بقيت . وعنده : أنه لما قال له : فإن أعرضوا فقل أنذرتكم صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود أمسك عتبة على فيه ، وناشده الرحم أن يكف عنه ، ولم يخرج إلى أهله ، واحتبس عنهم . فقال أبو جهل : يا معشر قريش ، والله ما نرى عتبة إلا صبأ إلى محمد ، وأعجبه طعامه ، وما ذاك إلا من حاجة أصابته ، انطلقوا بنا إليه . فأتوه ، فقال أبو جهل : والله يا عتبة ما جئنا إلا أنك صبوت إلى محمد ، وأعجبك أمره ، فإن كان بك حاجة جمعنا لك من أموالنا ما يغنيك عن طعام محمد . فغضب وأقسم بالله لا يكلم محمدا أبدا ، وقال : لقد علمتم أني من أكثر قريش مالا ، ولكني أتيته وقص عليهم القصة فأجابني بشيء والله ما هو بسحر ولا بشعر ولا كهانة ، قرأ بسم الله الرحمن الرحيم حم تنزيل من الرحمن الرحيم حتى بلغ فإن أعرضوا فقل أنذرتكم صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود [ فصلت : 113 ] فأمسكت بفيه ، وناشدته الرحم أن يكف ، وقد علمتم أن محمدا إذا قال شيئا لم يكذب ، فخفت أن ينزل عليكم العذاب .

[ ص: 158 ] ثم قال البيهقي عن الحاكم عن الأصم عن أحمد بن عبد الجبار عن يونس عن محمد بن إسحاق حدثني يزيد بن أبي زياد مولى بني هاشم عن محمد بن كعب قال : حدثت أن عتبة بن ربيعة وكان سيدا حليما قال ذات يوم وهو جالس في نادي قريش ، ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - جالس وحده في المسجد : يا معشر قريش ، ألا أقوم إلى هذا فأكلمه فأعرض عليه أمورا ، لعله يقبل بعضها ويكف عنا ؟ قالوا : بلى يا أبا الوليد . فقام عتبة حتى جلس إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - . فذكر الحديث فيما قال له عتبة وفيما عرض على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من المال ، والملك ، وغير ذلك . وقال زياد عن ابن إسحاق : فقال عتبة : يا معشر قريش ، ألا أقوم إلى محمد فأكلمه ، وأعرض عليه أمورا لعله يقبل بعضها ، فنعطيه أيها شاء ويكف عنا وذلك حين أسلم حمزة ورأوا أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يزيدون ويكثرون فقالوا : بلى يا أبا الوليد فقم إليه فكلمه . فقام إليه عتبة حتى جلس إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال : يا ابن أخي ، إنك منا حيث قد علمت من السطة في العشيرة ، والمكان في النسب ، وإنك قد أتيت قومك بأمر عظيم ، فرقت به جماعتهم ، وسفهت [ ص: 159 ] به أحلامهم ، وعبت به آلهتهم ودينهم ، وكفرت به من مضى من آبائهم ، فاسمع مني حتى أعرض عليك أمورا تنظر فيها ، لعلك تقبل منها بعضها . قال : فقال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " يا أبا الوليد أسمع " . قال : يا ابن أخي ، إن كنت إنما تريد بما جئت به من هذا الأمر مالا ، جمعنا لك من أموالنا حتى تكون أكثرنا مالا ، وإن كنت تريد به شرفا ، سودناك علينا ، حتى لا نقطع أمرا دونك ، وإن كنت تريد به ملكا ملكناك علينا ، وإن كان هذا الذي يأتيك رئيا تراه ، لا تستطيع رده عن نفسك طلبنا لك الطب ، وبذلنا فيه أموالنا ، حتى نبرئك منه ، فإنه ربما غلب التابع على الرجل ، حتى يداوى منه . أو كما قال له . حتى إذا فرغ عتبة ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - يستمع منه ، قال له النبي - صلى الله عليه وسلم - : " أفرغت يا أبا الوليد ؟ " . قال : نعم . قال : " فاسمع مني " . قال : أفعل . فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " بسم الله الرحمن الرحيم حم تنزيل من الرحمن الرحيم كتاب فصلت آياته قرآنا عربيا لقوم يعلمون فمضى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقرؤها ، فلما سمع بها عتبة أنصت لها ، وألقى بيديه خلفه أو خلف ظهره معتمدا عليهما ; ليسمع منه ، حتى انتهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى السجدة فسجدها ، ثم قال : " سمعت يا أبا الوليد ؟ " . قال : سمعت . قال : " فأنت وذاك " . ثم قام عتبة إلى أصحابه ، فقال بعضهم لبعض : نحلف بالله ، لقد جاءكم أبو الوليد بغير الوجه الذي ذهب به . فلما جلسوا إليه ، قالوا : ما وراءك يا أبا الوليد ؟ قال : ورائي أني والله قد سمعت قولا [ ص: 160 ] ما سمعت مثله قط ، والله ما هو بالشعر ، ولا الكهانة ، يا معشر قريش ، أطيعوني واجعلوها بي ، خلوا بين هذا الرجل وبين ما هو فيه واعتزلوه ، فوالله ليكونن لقوله الذي سمعت نبأ ، فإن تصبه العرب ، فقد كفيتموه بغيركم ، وإن يظهر على العرب ، فملكه ملككم ، وعزه عزكم ، وكنتم أسعد الناس به ، قالوا : سحرك والله يا أبا الوليد بلسانه . قال : هذا رأيي لكم ، فاصنعوا ما بدا لكم . ثم ذكر يونس عن ابن إسحاق شعرا قاله أبو طالب يمدح فيه عتبة .

وقال البيهقي : أخبرنا أبو محمد عبد الله بن يوسف الأصبهاني أخبرنا أبو قتيبة سلمة بن الفضل الآدمي بمكة ، حدثنا أبو أيوب أحمد بن بشر الطيالسي حدثنا داود بن عمرو الضبي حدثنا المثنى بن زرعة عن محمد بن إسحاق عن نافع عن ابن عمر قال : لما قرأ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على عتبة بن ربيعة حم تنزيل من الرحمن الرحيم أتى أصحابه ، فقال لهم : يا قوم ، أطيعوني في هذا الأمر اليوم ، واعصوني فيما بعده ، فوالله لقد سمعت من هذا الرجل كلاما ما سمعت أذناي كلاما مثله ، وما دريت ما أرد عليه . وهذا حديث غريب جدا من هذا الوجه .

ثم روى البيهقي عن الحاكم عن الأصم عن أحمد بن عبد الجبار [ ص: 161 ] عن يونس عن ابن إسحاق حدثني الزهري قال : حدثت أن أبا جهل وأبا سفيان والأخنس بن شريق خرجوا ليلة ليسمعوا من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو يصلي بالليل في بيته ، فأخذ كل رجل منهم مجلسا ليستمع منه ، وكل لا يعلم بمكان صاحبه ، فباتوا يستمعون له ، حتى إذا أصبحوا وطلع الفجر تفرقوا ، فجمعهم الطريق ، فتلاوموا ، وقال بعضهم لبعض : لا تعودوا فلو رآكم بعض سفهائكم لأوقعتم في نفسه شيئا . ثم انصرفوا ، حتى إذا كانت الليلة الثانية ، عاد كل رجل منهم إلى مجلسه ، فباتوا يستمعون له حتى إذا طلع الفجر تفرقوا ، فجمعهم الطريق ، فقال بعضهم لبعض مثل ما قالوا أول مرة . ثم انصرفوا ، فلما كانت الليلة الثالثة ، أخذ كل رجل منهم مجلسه ، فباتوا يستمعون له ، حتى إذا طلع الفجر تفرقوا ، فجمعهم الطريق ، فقالوا : لا نبرح حتى نتعاهد أن لا نعود فتعاهدوا على ذلك ، ثم تفرقوا فلما أصبح الأخنس بن شريق أخذ عصاه ، ثم خرج حتى أتى أبا سفيان في بيته ، فقال : أخبرني يا أبا حنظلة عن رأيك فيما سمعت من محمد . فقال : يا أبا ثعلبة والله لقد سمعت أشياء أعرفها وأعرف ما يراد بها . فقال الأخنس : وأنا والذي حلفت به . ثم خرج من عنده حتى أتى أبا جهل فدخل عليه بيته ، فقال : يا أبا الحكم ما رأيك فيما سمعت من محمد ؟ فقال : ماذا سمعت ! تنازعنا نحن وبنو عبد مناف الشرف ; أطعموا فأطعمنا ، وحملوا فحملنا ، وأعطوا فأعطينا ، حتى إذا تجاثينا على الركب ، وكنا كفرسي رهان ، قالوا : منا نبي يأتيه الوحي من السماء ، فمتى ندرك هذه ؟ والله لا نسمع به أبدا ، ولا نصدقه . فقام عنه الأخنس بن شريق

[ ص: 162 ] ثم قال البيهقي : أخبرنا أبو عبد الله الحافظ أخبرنا أبو العباس حدثنا أحمد حدثنا يونس عن هشام بن سعد عن زيد بن أسلم عن المغيرة بن شعبة قال : إن أول يوم عرفت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أني كنت أمشي أنا وأبو جهل بن هشام في بعض أزقة مكة ، إذ لقينا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لأبي جهل : " يا أبا الحكم هلم إلى الله وإلى رسوله ، أدعوك إلى الله " . فقال أبو جهل : يا محمد ، هل أنت منته عن سب آلهتنا ؟ هل تريد إلا أن نشهد أنك قد بلغت ؟ فنحن نشهد أن قد بلغت ، فوالله لو أني أعلم أن ما تقول حق لاتبعتك . فانصرف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأقبل علي فقال : والله إني لأعلم أن ما يقول حق ، ولكن يمنعني شيء ; إن بني قصي ، قالوا : فينا الحجابة . فقلنا : نعم . ثم قالوا : فينا السقاية . فقلنا : نعم . ثم قالوا : فينا الندوة . فقلنا : نعم . ثم قالوا فينا اللواء . فقلنا : نعم . ثم أطعموا وأطعمنا ، حتى إذا تحاكت الركب ، قالوا : منا نبي . والله لا أفعل .

وقال البيهقي : أخبرنا أبو عبد الله الحافظ وأبو بكر قالا : حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب الأصم حدثنا محمد بن خالد حدثنا أحمد بن خالد [ ص: 163 ] حدثنا إسرائيل عن أبي إسحاق قال : مر النبي - صلى الله عليه وسلم - على أبي جهل وأبي سفيان وهما جالسان ، فقال أبو جهل : هذا نبيكم يا بني عبد شمس . قال أبو سفيان : وتعجب أن يكون منا نبي ! فالنبي يكون فيمن أقل منا وأذل . فقال أبو جهل : عجب أن يخرج غلام من بين شيوخ نبيا . ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - يسمع فأتاهما ، فقال : " أما أنت يا أبا سفيان فما لله ورسوله غضبت ، ولكنك حميت للأصل ، وأما أنت يا أبا الحكم فوالله لتضحكن قليلا ، ولتبكين كثيرا " . فقال : بئسما تعدني يا ابن أخي من نبوتك . هذا مرسل من هذا الوجه ، وفيه غرابة .

وقول أبي جهل لعنه الله ، كما قال الله تعالى مخبرا عنه وعن أضرابه : وإذا رأوك إن يتخذونك إلا هزوا أهذا الذي بعث الله رسولا إن كاد ليضلنا عن آلهتنا لولا أن صبرنا عليها وسوف يعلمون حين يرون العذاب من أضل سبيلا [ الفرقان : 41 - 42 ]

وقال الإمام أحمد : حدثنا هشيم حدثنا أبو بشر عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال : نزلت هذه الآية ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - متوار بمكة : ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها [ الإسراء : 110 ] . قال : كان إذا صلى بأصحابه رفع صوته بالقرآن ، فلما سمع ذلك المشركون سبوا القرآن ، وسبوا من أنزله ، ومن جاء به . قال : فقال الله تعالى لنبيه محمد - صلى الله عليه وسلم - ولا تجهر بصلاتك أي بقراءتك ، فيسمع المشركون ، فيسبوا القرآن ، ولا تخافت بها عن أصحابك فلا تسمعهم القرآن ، حتى يأخذوه عنك وابتغ بين ذلك سبيلا [ ص: 164 ] وهكذا رواه صاحبا " الصحيح " من حديث أبي بشر جعفر بن أبي وحشية به .

وقال محمد بن إسحاق : حدثني داود بن الحصين عن عكرمة عن ابن عباس قال : كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا جهر بالقرآن ، وهو يصلي ، تفرقوا عنه ، وأبوا أن يستمعوا منه ، وكان الرجل إذا أراد أن يسمع من رسول الله بعض ما يتلو وهو يصلي استرق السمع دونهم ; فرقا منهم ، فإن رأى أنهم قد عرفوا أنه يستمع ، ذهب خشية أذاهم ، فلم يستمع ، فإن خفض رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لم يسمع الذين يستمعون من قراءته شيئا ، فأنزل الله تعالى ولا تجهر بصلاتك فيتفرقوا عنك ولا تخافت بها فلا يسمع من أراد أن يسمعها ممن يسترق ذلك ، لعله يرعوي إلى بعض ما يسمع ، فينتفع به وابتغ بين ذلك سبيلا



التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث