الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

( كتاب الشفعة ) :

الكلام في هذا الكتاب يقع في مواضع : في بيان سبب ثبوت حق الشفعة ، وفي بيان شرائط ثبوت حق الشفعة ، وفي بيان ما يتأكد به حق الشفعة ويستقر ، وفي بيان ما يبطل به حق الشفعة بعد ثبوته ، وفي بيان ما يملك به المشفوع فيه ، وفي بيان طريق التمليك ، وبيان كيفيته ، وفي بيان شرط التملك ، وفي بيان ما يتملك به ، وفي بيان المتملك ، وفي بيان المتملك منه ، وفي بيان حكم اختلاف الشفيع والمشتري ، وفي بيان الحيلة في إبطال الشفعة ، وفي بيان أنها مكروهة أم لا .

( أما ) سبب وجوب الشفعة فالكلام فيه في موضعين : أحدهما : في بيان ماهية السبب ، والثاني : في بيان كيفيته .

( أما ) الأول فسبب وجوب الشفعة أحد الأشياء الثلاثة الشركة في ملك المبيع ، والخلطة وهي الشركة في حقوق الملك والجوار ، وإن شئت قلت أحد الشيئين الشركة والجوار ، ثم الشركة نوعان شركة في ملك المبيع وشركة في حقوقه كالشرب والطريق وهذا عند أصحابنا رضي الله عنهم وقال الشافعي : السبب هو الشركة في ملك المبيع لا غير فلا تجب الشفعة عنده بالخلطة ، ولا بالجوار احتج بما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال { إنما الشفعة في ما لم يقسم فإذا وقعت الحدود وصرفت الطرق فلا شفعة } فصدر الحديث إثبات الشفعة في غير المقسوم ونفيها في المقسوم ; لأن كلمة إنما لإثبات المذكور ونفي ما عداه ، وآخره نفي الشفعة عند وقوع الحدود وصرف الطرق ، والحدود بين الجارين واقعة ، والطرق مصروفة فكانت الشفعة منفية ; ولأن الأخذ بالشفعة تملك مال المشتري من غير رضاه ، وعصمة ملكه ، وكون التملك إضرارا يمنع من ذلك فكان ينبغي أن لا يثبت حق الأخذ أصلا إلا أنا عرفنا ثبوته فيما لم يقسم بالنص غير معقول المعنى فبقي الأمر في المقسوم على الأصل ، أو ثبت معلولا بدفع ضرر خاص ، وهو ضرر القسمة لكونه ضررا لازما ما لا يمكن دفعه إلا [ ص: 5 ] بالشفعة .

فأما ضرر الجوار فليس بلازم ، بل هو ممكن الدفع بالرفع إلى السلطان ، والمقابلة بنفسه فلا حاجة إلى دفعه بالشفعة ( ولنا ) ما روي أنه سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أرض بيعت ، وليس لها شريك ، ولها جار فقال عليه الصلاة والسلام : { الجار أحق بشفعتها } وهذا نص في الباب وروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : { الجار أحق بصقبه } والصقب الملاصق أي : أحق بما يليه وبما يقرب منه وروي { الجار أحق بشفعته } وهذا نص في الباب ولأن حق الشفعة بسبب الشركة إنما يثبت لدفع أذى الدخيل ، وضرره وذلك متوقع الوجود عند المجاورة فورود الشرع هناك يكون ورودا هنا دلالة ، وتعليل النص بضرر القسمة غير سديد لأن القسمة ليست بضرر بل هي تكميل منافع الملك ، وهي ضرر غير واجب الدفع لأن القسمة مشروعة ولهذا لم تجب الشفعة بسبب الشركة في العروض دفعا لضرر القسمة .

( وأما ) قوله : يمكن دفع الضرر بالمقابلة بنفسه ، والمرافعة إلى السلطان فنقول وقد لا يندفع بذلك ولو اندفع فالمقابلة ، والمرافعة في نفسها ضرر ، وضرر الجار السوء يكثر وجوده في كل ساعة فيبقى في ضرر دائم وأما الحديث فليس في صدره نفي الشفعة عن المقسوم لأن كلمة إنما لا تقتضي نفي غير المذكور قال الله تبارك وتعالى { إنما أنا بشر مثلكم } وهذا لا ينفي أن يكون غيره عليه الصلاة والسلام بشرا مثله ، وآخره حجة عليه لأنه علق عليه الصلاة والسلام سقوط الشفعة بشرطين : وقوع الحدود ، وصرف الطرق ، والمعلق بشرطين لا يترك عند وجود أحدهما ، وعنده يسقط بشرط واحد وهو وقوع الحدود ، وإن لم تصرف الطرق ثم هو مؤول وتأويله فإذا وقعت الحدود فتباينت وصرفت الطرق فتباعدت فلا شفعة أو لا شفعة مع وجود من لم ينفصل حده ، وطريقه أو فلا شفعة بالقسمة ، كما لا شفعة بالرد بخيار الرؤية ; لأن في القسمة معنى المبادلة فكان موضع الإشكال فأخبر أنه لا شفعة ليزول الإشكال والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث