الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


179 - فصل

[ في معنى الفطرة ] .

فإن قيل : فهذا كله بناء منكم على أن الفطرة الأولى هي فطرة الإسلام ، وأحمد قد نص على أن الفطرة هي ما فطر عليه من الشقاوة ، والسعادة ، فقال في رواية الحسن بن ثواب : كل مولود من أطفال المشركين على الفطرة ، يولد على الفطرة التي خلقه الله عليها من الشقاوة ، والسعادة التي سبقت في الكتاب ، ارجع في ذلك إلى الأصل هذا معناه .

وقال في رواية حنبل ، وأبي الحارث ، والفضل بن زياد : الفطرة التي فطر [ ص: 945 ] العباد عليها من

[ الشقاوة ] ، والسعادة .

وقال في رواية علي بن سعيد ، وقد سأله عن الحديث : " كل مولود يولد على الفطرة " ، قال : على السعادة والشقاوة ، وإليه يرجع على ما خلق .

وقال محمد بن يحيى الكحال : قلت لأبي عبد الله : " كل مولود يولد على الفطرة " ما تفسيرها ؟ قال : هي الفطرة التي فطر الله الناس عليها شقي أو سعيد ، وإذا كان هذا نصه في الفطرة ، فكيف يكتم مع مذهبه في الأطفال أنهم على الإسلام بموت آبائهم ؟

قيل : هذا موضع قد اضطربت فيه الأقدام ، وطال فيه النزاع ، والخصام ، ونحن نذكر فيه بعض ما انتهى إلينا من كلام أئمة الإسلام .

قال أبو عبيد القاسم بن سلام في كتاب " غريب الحديث " الذي هو لما بعده من كتب الغريب إمام : " سألت محمد بن الحسن عن تفسير هذا الحديث ، فقال : كان هذا في أول الإسلام قبل أن تنزل الفرائض ، وقبل أن يؤمر المسلمون بالجهاد " .

قال أبو عبيد : " فأما عبد الله بن المبارك فإنه سئل عن تأويل هذا الحديث [ ص: 946 ] الآخر : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - سئل عن أطفال المشركين ، فقال : " الله أعلم بما كانوا عاملين " .

قال أبو عبيد : فذهب إلى أنهم يولدون على ما يصيرون إليه من كفر ، أو إسلام .

قال ابن قتيبة : حكى أبو عبيد هذين القولين ، ولم يحل على نفسه في هذا قولا ولا اختيارا .

قال محمد بن نصر المروزي في كتاب " الرد على ابن قتيبة " : فيقال له : وما على رجل حكى اختلافا في شيء ، ولم يتبين له الصواب فأمسك عن التقدم على ما لم يتبين له صوابه ، ما على هذا من سبيل ، بل هو محمود على التوقف عما لم يتبين له عسى أن يتبين له ، بل العيب المذموم من اجترأ [ ص: 947 ] على القول فيما لا علم له ، ففسر حديث النبي - صلى الله عليه وسلم - تفسيرا خالف فيه حكم الكتاب ، وخرج من قول أهل العلم ، وترك القياس والنظر ، فقال قولا لا يصلح في خبر ، ولا يقوم على نظر .

وهو هذا العائب على أبي عبيد : زعم أن الفطرة التي أخبر النبي - صلى الله عليه وسلم - بأن كل مولود يولد عليها : هي خلقه في كل مولود معرفة بربه ، وزعم أنه على معنى قوله تعالى : ( وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم ) الآية ، قال محمد بن نصر : قال الله تعالى : ( والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا ) ، فزعم هذا أنهم يعرفون أعظم الأشياء ، وهو الله تعالى ، فمن أعظم جرما ، وأشد مخالفة للكتاب من سمع الله عز وجل يقول : ( والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا ) ، فزعم أنهم يعلمون أعظم الأشياء ، وهذا هو المعاند لرب العالمين ، والجاهل بالكتاب .

قلت : إن أراد أبو محمد " المعرفة " المعرفة الثانية بالفعل التي هي للكبار ، فإنكار أبي عبد الله عليه متوجه ، وإن أراد أنه مهيأ للمعرفة ، وأن المعرفة فيه بالقوة كما هو مهيأ للفعل والنطق لم يلزمه ما ذكره أبو عبد الله [ ص: 948 ] كما إذا قيل : يولد ناطقا عاقلا بحيث إذا عقل عرف ربه بتلك القوة التي أودعها الله فيه دون الجمادات ، بحيث لو خلي وما فطر عليه ولم تغير فطرته لكان عارفا بربه ، موحدا له ، محبا له .

فإن قيل : أبو عبد الله لم ينكر هذا ، وإنما أنكر أن يكون المراد بالفطرة الميثاق الأول الذي أخذه الله سبحانه من بني آدم من ظهورهم حين أشهدهم على أنفسهم : ( ألست بربكم ) ، فأقروا بذلك ، ولا ريب أن هذه المعرفة ، والإقرار غير حاصلين من الطفل ، فصح إنكار أبي عبد الله .

قيل : ابن قتيبة إنما قال : الفطرة هي خلقه في كل مولود معرفة بربه على معنى قوله : ( وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم ) الآية ، وهذا لا يلزم منه أن تكون المعرفة حاصلة في المولود بالفعل ، وتشبيهه الحديث بالآية في هذا المعنى لا يدل على أن الميثاق الذي ذكر في الآية هو المعرفة الفعلية قبل خروجهم إلى الدنيا أحياء ناطقين ، وإن كان هذا قد قاله غير واحد من السلف والخلف فلا يلزم ابن قتيبة أن يختار هذا القول ، بل هذا من حسن فهمه في القرآن ، والسنة : إذ حمل الحديث على الآية ، وفسر كلا منهما بالآخر . وقد قال هذا غير واحد من أهل العلم قبله وبعده ، وأحسن ما فسرت به الآية قوله - صلى الله عليه وسلم - : " كل مولود يولد على الفطرة : فأبواه يهودانه وينصرانه " فالميثاق الذي أخذه سبحانه عليهم ، والإشهاد الذي أشهدهم على أنفسهم ، والإقرار الذي أقروا به هو الفطرة التي فطروا عليها ؛ لأنه سبحانه احتج عليهم بذلك ، وهو لا يحتج [ ص: 949 ] عليهم بما لا يعرفه أحد منهم ولا يذكره ، بل بما يشركون في معرفته ، والإقرار به .

وأيضا ، فإنه قال : ( وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم ) ، ولم يقل " من آدم " ، ثم قال : ( من ظهورهم ) ، ولم يقل : " من ظهرهم " ، ثم قال : ( ذريتهم ) ، ولم يقل : ( ذريته ) ، ثم قال : ( وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم ) وهذا يقتضي إقرارهم بربوبيته إقرارا تقوم عليهم به الحجة ، وهذا إنما هو الإقرار الذي احتج به عليهم على ألسنة رسله كقوله تعالى : ( قالت رسلهم أفي الله شك ) ، وقوله : ( ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله ) ، : ( ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن الله ) ، : ( قل لمن الأرض ومن فيها إن كنتم تعلمون سيقولون لله ) ، ونظائر ذلك كثيرة : يحتج عليهم بما فطروا عليه من الإقرار بربهم وفاطرهم ، ويدعوهم بهذا الإقرار إلى عبادته وحده ، وألا يشركوا به شيئا ، هذه طريقة القرآن .

ومن ذلك هذه الآية التي في " الأعراف " وهي قوله : ( وإذ أخذ ربك من بني آدم ) الآية ، ولهذا قال في آخرها : ( أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين أو تقولوا إنما أشرك آباؤنا من قبل وكنا ذرية من بعدهم أفتهلكنا بما فعل المبطلون ) [ ص: 950 ] فاحتج عليهم بما أقروا به من ربوبيته على بطلان شركهم وعبادة غيره ، وألا يعتذروا ، إما بالغفلة عن الحق ، وإما بالتقليد في الباطل ، فإن الضلال له سببان : إما غفلة عن الحق ، وإما تقليد أهل الضلال ، فيطابق الحديث مع الآية ، ويبين معنى كل منهما بالآخر ، فلم يقع ابن قتيبة في معاندة رب العالمين ، ولا جهل الكتاب ، ولا خرج عن المعقول ، ولكن لما ظن أبو عبد الله أن معنى الآية أن الله سبحانه أخرجهم أحياء ناطقين من صلب آدم في آن واحد ، ثم خاطبهم ، وكلمهم وأخذ عليهم الميثاق وأشهدهم على أنفسهم بربوبيته ، ثم ردهم في ظهره ، وأن أبا محمد فسر الفطرة بهذا المعنى بعينه ألزمه ما ألزمه .

ثم قال محمد بن نصر : واحتج - يعني ابن قتيبة - بقوله تعالى : ( الحمد لله فاطر السماوات ) خالقها ، وبقوله تعالى عن مؤمن آل فرعون في سورة يس : ( وما لي لا أعبد الذي فطرني ) ، أي خلقني ، وبقوله : ( فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ) ، قال : وكان أبو هريرة - رضي الله عنه - يسرع بهذه الآية عند روايته لهذا الحديث ليدل على أن الفطرة خلقة .

[ ص: 951 ] قال محمد بن نصر : فيقال له : لسنا نخالفك في أن الفطرة خلقة في اللغة وأن فاطر السماوات والأرض خالقهما ، ولكن ما

[ الدليل ] على أن هذه الخلقة هي معرفة ؟ هل عندك من دليل من كتاب الله ، أو سنة رسوله أن الخلقة هي المعرفة ؟ فإن أتيت بحجة من كتاب الله أو سنة رسوله أن الخلقة هي المعرفة ، وإلا فأنت مبطل في دعواك ، وقائل ما لا علم لك به .

قلت : لم يرد ابن قتيبة ولا من قال بقوله : " إن الفطرة خلقة " أنها معرفة حاصلة بالفعل مع المولود حين يولد ، فهذا لم يقله أحد ، وقد قال أحمد في رواية الميموني : الفطرة الأولى التي فطر الناس عليها ، فقال له الميموني : الفطرة الدين ؟ قال : نعم .

وقد نص في غير موضع أن الكافر إذا مات أبواه ، أو أحدهما حكم بإسلامه ، واستدل بالحديث : " كل مولود يولد على الفطرة " ففسر الحديث بأنه يولد على فطرة الإسلام كما جاء ذلك مصرحا به في الحديث ، ولو لم يكن ذلك معناه عنده لما صح استدلاله بعد في بعض ألفاظه " ما من مولود إلا يولد على هذه الملة " .

وأما قول أحمد في مواضع أخر : " يولد على ما فطر عليه من شقاوة ، أو سعادة " فلا تنافي بينه ، وبين قوله : إنها الدين ، فإن الله سبحانه قدر الشقاوة والسعادة وكتبهما ، وإنها تكون بالأسباب التي تحصل بها كفعل [ ص: 952 ] الأبوين : فتهويدهما ، وتنصيرهما ، وتمجيسهما ، هو بما قدره الله تعالى ، والمولود يولد على الفطرة مسلما ، ويولد على أن هذه الفطرة السليمة قد يغيرها الأبوان كما قدر الله ذلك ، وكتبه ، كما مثل النبي - صلى الله عليه وسلم - ذلك بقوله : " كما تنتج البهيمة جمعاء هل تحسون فيهما من جدعاء " .

فبين أن البهيمة تولد سليمة ، ثم يجدعها الناس ، وذلك أيضا بقضاء الله ، وقدره ، فكذلك المولود يولد على الفطرة مسلما ، ثم يفسده أبواه ، وإنما قال أحمد وغيره : ولد على ما فطر عليه من شقاوة وسعادة ؛ لأن القدرية كانوا يحتجون بهذا الحديث على أن الكفر والمعاصي ليست بقدر الله ، بل بما فعله الناس ؛ لأن كل مولود يولد على الفطرة ، وكفره بعد ذلك من الناس ، ولهذا لما قيل لمالك : إن القدرية يحتجون علينا بأول الحديث .

قال : احتجوا عليهم بآخره ، وهو قوله : " الله أعلم بما كانوا عاملين " فبين الأئمة أنه لا حجة فيه للقدرية ، فإنه لم يقل : إن الأبوين خلقا تهويده وتنصيره ، والقدرية لا تقول ذلك بل عندهم أنه تهود وتنصر باختياره ، ولكن كان الأبوان سببا في حصول ذلك بالتعليم ، والتلقين ، وهذا حق لا يقتضي نفي القدر السابق من العلم ، والكتاب ، والمشيئة ، بل ذلك مضاف إلى الله تعالى علما ، وكتابة ، ومشيئة ، وإلى الأبوين تسببا ، وتعليما ، وتلقينا ، وإلى الشيطان تزيينا ، ووسوسة ، وإلى العبد رضا ، واختيارا ، ومحبة .

ولا ينافي هذا قوله في حديث ابن عباس - رضي الله عنهما - إن الغلام [ ص: 953 ] الذي قتله الخضر طبع يوم طبع كافرا ، ولو عاش لأرهق أبويه طغيانا وكفرا " ، فإن معناه أنه قضي عليه وقدر في أم الكتاب أنه يكون كافرا ، فهي حال مقدرة كقوله : ( فادخلوا أبواب جهنم خالدين فيها ) ، وقوله : ( وبشرناه بإسحاق نبيا ) ، ونظائر ذلك ، وليس المراد : أن كفره كان موجودا بالفعل معه حتى طبع ، كما يقال : ولد ملكا ، وولد عالما ، وولد جبارا ومن ظن أن " الطبع " المذكور في الحديث هو " الطبع " في قوله تعالى : ( طبع الله على قلوبهم ) ، فقد غلط غلطا ظاهرا ، فإن ذلك لا يقال فيه : طبع يوم طبع فإن الطبع على القلب إنما يوجد بعد كفره .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث