الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                              صفحة جزء
                                                                                                                                                                                                              المسألة الخامسة عشرة :

                                                                                                                                                                                                              قد بينا كيف وقع التخيير في هذه الآية ، ومسألة التخيير طويلة عريضة ، لا يستوفيها إلا الإطناب بالتطويل مع استيفاء التفصيل ، وذلك لا يمكن في هذه العجالة ، وبيانه في كتب الفقه ، فنشير منه الآن إلى طرفين :

                                                                                                                                                                                                              أحدهما : إذا خير الرجل امرأته فاختارته . [ ص: 563 ]

                                                                                                                                                                                                              الثاني : إذا اختارت نفسها . أما الطرف الأول إذا اختارت زوجها ، وقد اختلف العلماء فيه ; فذهب ابن عمر وابن مسعود ، وعائشة ، وابن عباس ، وإحدى روايتي زيد ، وعلي ، إلى أنه لا يقع شيء .

                                                                                                                                                                                                              وذهب إلى أنها طلقة رجعية علي وزيد في الرواية الأخرى ، والحسن ، وربيعة ، وتعلقوا بأن قوله : " اختاري " كناية عن إيقاع الطلاق ; فإذا أضافه إليها وقعت طلقة ، كقوله ، أنت بائن .

                                                                                                                                                                                                              ودليلنا قول عائشة : خيرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فاخترناه . أفكان ذلك طلاقا ، فإن قيل : قد قلتم : إن تخيير عائشة لم يكن بين الزوجية والفراق ، وإنما كان بين البقاء فيمسك ، وبين الفراق فيستأنف إيقاعه ، وإذا كان هذا هكذا عندكم فلا حجة فيه علينا منكم .

                                                                                                                                                                                                              قلنا : كذلك قلنا ، وكذلك كان . وقولكم : لا حجة فيه ليس كذلك ; بل حجته ظاهرة ; لأنكم قد قلتم : إنها كناية ، فكان من حقكم أن تقولوا : إنه يقع الطلاق بهذا أيضا .

                                                                                                                                                                                                              فإذا قلتم في هذه الصورة : إنه لا يقع ، كانت الأخرى مثلها ; لأنهما كنايتان ، فلو لزم الطلاق بإحداهما لزم بالأخرى ; لأن لا فرق بينهما .

                                                                                                                                                                                                              وبهذا احتجت عائشة رضي الله عنها لسعة علمها ، وعظيم فقهها .

                                                                                                                                                                                                              وقولهم : إنها إيقاع باطل ، وإنما هو تخيير بينه وبين فراقه ، وهما ضدان ، ليس اختيار أحدهما اختيارا للثاني بحال .

                                                                                                                                                                                                              وأما الطرف الثاني : وهو إذا اختارت الفراق فيها ثلاثة أقوال : الأول : أنها ثلاث من غير نية ولا بينونة . فإن كان قبل الدخول فله ما نوى . هذا مذهب مالك ، وبه قال الليث ، والحسن البصري ، وزيد بن ثابت .

                                                                                                                                                                                                              الثاني : روي عن علي أنها واحدة بائنة من غير نية ولا مبتوتة ، وهو مذهب أبي حنيفة . [ ص: 564 ] الثالث : قال الشافعي : لا يقع الطلاق إلا إذا نوياه جميعا ، ولا يقع منه إلا ما اتفقا عليه جميعا ، فإن اختلفا وقع الأقل ، وبطل الأكثر .

                                                                                                                                                                                                              ودليلنا أن المقتضي لقوله : " اختاري " ألا يكون له عليه سبيل ، ولا يملك منها شيئا ; إذ قد جعل إليها أن تخرج ما يملكه منها عنه أو تقيم معه ، فإذا أخرجت البعض لم يعمل بمقتضى اللفظ ، وكان بمنزلة من خير بين شيئين فاختار غيرهما .

                                                                                                                                                                                                              واحتج أبو حنيفة بأن الزوج علق الطلاق بخبر من جهتها ، وذلك لا يفتقر إلى نيتها ، كما لو قال : إن دخلت الدار فأنت طالق فإنه إذا وقع الطلاق لم يقع إلا واحدة كخيار المعتقة .

                                                                                                                                                                                                              الجواب : إنا نقول : أما اعتبار نيتها فلا بد منه ; لأنها موقعة للطلاق بمنزلة الوكيل ، ولا يصح أن يقال : إنه يتعلق بفعلها ; ألا ترى أنها لو اختارت زوجها لم يكن شيء ، فثبت أنه توكيل ونيابة ، وأما خيار المعتقة فلا نسلمه ، بل هو ثلاث .

                                                                                                                                                                                                              واحتج الشافعي بأنه لم يقترن به لفظ الثلاث ولا نيتها .

                                                                                                                                                                                                              الجواب : إما نقول : قد اقترن به لفظها كما بيناه .

                                                                                                                                                                                                              التالي السابق


                                                                                                                                                                                                              الخدمات العلمية