الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

تفسير قوله تعالى وإذا مسكم الضر في البحر ضل من تدعون إلا إياه فلما نجاكم إلى البر

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

وإذا مسكم الضر في البحر ضل من تدعون إلا إياه فلما نجاكم إلى البر أعرضتم وكان الإنسان كفورا .

الضر هو ما يصيب الإنسان في جسمه من مرض أو خوف أو اضطراب، وإن أهوال البحر كثيرة، وخصوصا عندما كان السير فيه بالمراكب الشراعية، ولا تزال الأهوال قائمة، فمنها دوار البحر، ومنها تلاطم الأمواج وعلوها أحيانا [ ص: 4421 ] حتى تصير كالجبال، ومنها المرض حيث يكون منقطعا عن أهله، فإنه يكون في هذه الحال منقطعا عن الناس لا يعلم به أحد ممن يستغيثهم فيغيثونه، فهل يذكر الأوثان التي يدعوها من دونه قال سبحانه: ضل من تدعون إلا إياه أي غاب عن خواطركم من تدعونها آلهة وبدت لكم حقيقتها وهي أنها أحجار لا تنفع ولا تضر ولا تسمع ولا تبصر ولا تغيث ولا تستغاث، ولعلكم لا تدركون هذه الحقيقة وقت سرابكم وتغمركم الأوهام التي أضلتكم وقوله تعالى: إلا إياه أي غاب كل ما تزعمون قوته، ولا يحضر إلا الله سبحانه وتعالى، و(إياه) ضمير منفصل في محل النصب، والكلام يشير إلى وحدانية الله تعالى في الخلق والتكوين والعبادة.

وقوله تعالى: وإذا مسكم معناه أصابكم، وقال سبحانه وتعالى: وإذا مسكم للإشارة إلى أن البحر مخوف مرهوب، فالمس يشمل الإصابة التي تصيب الأبدان، ويشمل خوف الغرق والفزع عندما تضطرب الأمواج ويعلو الفلك وينخفض، وقد وجفت القلوب واضطربت الأفئدة.

وقال تعالى: فلما نجاكم إلى البر أعرضتم وكان الإنسان كفورا

الفاء هنا عاطفة لترتيب ما بعدها على ما قبلها، وهو ترتيب عكسي، أي أنه كان يترتب على هذا الشكر، ولكن ترتب العكس، فهذا دليل على الجحود وعمقه في نفوسهم وتغلغله بسبب قلوبهم الكافرة غير الشاكرة.

وقوله تعالى: فلما نجاكم إلى البر يشير إلى أنهم وهم في البحر هم في مخاطرة، ولذلك جعلت غاية النجاة البر، نجاكم فيها معنى الإنقاذ، وأنهم ما داموا في البحر فهم عرضة لأهواله، وبعد أن جاء عصر البخار الذي تسير به السفن وسائر المراكب من قطر إلى قطر وغيرها ما تزال في البحر مخاطرة.

ويقول سبحانه: أعرضتم أي انصرفت نفوسكم عن معاني الضراعة ونسيتموها وكأن لم يكن ضر ولا صرف، وكذلك شأن الإنسان دائما لا يذكر الأهوال إلا وقت نزولها فإذا زالت نسيها، كما قال تعالى: ولئن أذقناه نعماء بعد ضراء مسته ليقولن ذهب السيئات عني إنه لفرح فخور

[ ص: 4422 ] وقد قال البيضاوي في معنى أعرضتم اتسعتم، أي صرتم في سعة بعد ضيق واستشهد بقول ذي الرمة:


عطاء فتى يمكن في المعالي فأعرض في المكارم واستطالا



وقد ذكره على أنه احتمال في المعنى، ونرى أن المعنى بعمومه يشمله.

هذا، وإن السير بالمراكب في البحار أمر شديد أو كان شديدا جدا في العصر الأول، وكان يدفع للإيمان إذا كانت النفس مدركة، ويروى أنه عند الفتح الإسلامي لمكة نفر ناس من أن يخضعوا لحكم النبي صلى الله عليه وسلم وهربوا وركبوا الفلك إلى الحبشة ومنهم عكرمة بن أبي جهل، فركب البحر، فجاءتهم ريح عاصف فقال القوم بعضهم لبعض: إنه لا يغني عنكم إلا أن تدعوا الله وحده، فقال عكرمة في نفسه: والله إن كان لا ينفع في البحر غيره، اللهم لك علي عهد لئن أخرجتني منه لأذهبن فلأضعن يدي في يد محمد، فلأجدنه رءوفا رحيما، فخرجوا من البحر فرجع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم -، فأسلم وحسن إسلامه.

وإذا كانوا قد أعرضوا بعد أن زالت عنهم شدة البحر، فإن الله يذكرهم، وهو العليم الحكيم أنه ينزل بهم الشدة في البر أيضا، إذ هم في قبضة الله تعالى فيقول:

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث