الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                          صفحة جزء
                                                                                                          باب جامع النفل في الغزو

                                                                                                          حدثني يحيى عن مالك عن نافع عن عبد الله بن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث سرية فيها عبد الله بن عمر قبل نجد فغنموا إبلا كثيرة فكان سهمانهم اثني عشر بعيرا أو أحد عشر بعيرا ونفلوا بعيرا بعيرا

                                                                                                          التالي السابق


                                                                                                          6 - باب جامع النفل في الغزو

                                                                                                          النفل بفتحتين على المشهور وقد تسكن الفاء واحد الأنفال زيادة يزادها الغازي على نصيبه من الغنيمة ، ومنه نفل الصلاة وهو ما عدا الفريضة .

                                                                                                          [ ص: 24 ] 987 971 ( مالك عن نافع عن عبد الله بن عمر أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعث سرية ) في شعبان سنة ثمان قبل فتح مكة قاله ابن سعد ، وذكر غيره أنها كانت في جمادى ، وقيل : في رمضان من السنة ، وكان أميرها أبو قتادة وكانوا خمسة عشر رجلا ( فيها عبد الله بن عمر قبل ) بكسر القاف وفتح الموحدة أي جهة ( نجد ) لأجل محارب بها وأمره أن يشن عليهم الغارة فسار الليل وكمن النهار فهجم على حاضر منهم عظيم فأحاط بهم وقاتل منهم رجال فقتل من أشرف منهم ( فغنموا إبلا كثيرة ) وفي رواية لمسلم : " فأصبنا إبلا وغنما " وذكر أهل السير أنها مائة بعير وألفا شاة ( فكان سهمانهم ) بضم السين وسكون الهاء جمع سهم أي نصيب كل واحد ( اثني عشر بعيرا ) وتوهم بعضهم أن ذلك جميع الأنسباء ، قال النووي : وهو غلط ( أو أحد عشر بعيرا ) قال ابن عبد البر : اتفق رواة الموطأ على روايته بالشك إلا الوليد بن مسلم فرواه عن شعيب ومالك جميعا فقال : اثني عشر فلم يشك وكأنه حمل رواية مالك على رواية شعيب وهو منه غلط ، وكذا أخرجه أبو داود عن القعنبي عن مالك والليث بغير شك فكأنه أيضا حمل رواية مالك على رواية الليث ، والقعنبي إنما رواه في الموطأ على الشك فلا أدري أمن القعنبي جاء هذا حين خلط حديث الليث بحديث مالك أم من أبي داود ؟ وقال سائر أصحاب نافع : اثني عشر بعيرا بلا شك لم يقع الشك فيه إلا من قبل مالك .

                                                                                                          ( ونفلوا ) بضم النون مبني للمفعول أي أعطي كل واحد منهم زيادة على السهم المستحق له ( بعيرا بعيرا ) واختلف الرواة في القسم والتنفيل هل كانا معا من أمير ذلك الجيش أو من النبي - صلى الله عليه وسلم - أو أحدهما من أحدهما ؟ فلأبي داود عن ابن إسحاق عن نافع عن ابن عمر : " فخرجت فيها فأصبنا نعما كثيرا وأعطانا أميرنا بعيرا لكل إنسان ، ثم قدمنا على النبي - صلى الله عليه وسلم - فقسم بيننا غنيمتنا فأصاب كل رجل اثني عشر بعيرا بعد الخمس " وأخرجه أبو داود أيضا من طريق شعيب بن أبي حمزة عن نافع عن ابن عمر قال : " بعثنا - صلى الله عليه وسلم - في جيش قبل نجد وانبعثت سرية من الجيش فكان سهمان الجيش اثني عشر بعيرا ونفل أهل السرية بعيرا بعيرا فكانت سهمانهم ثلاثة عشر بعيرا " وأخرجه ابن عبد البر من هذا الوجه وقال في روايته : إن ذلك الجيش كان أربعة آلاف أي الذي خرجت منه السرية الخمسة عشر كما عند ابن سعد وغيره قال : وظاهر رواية الليث عن نافع عند مسلم أن ذلك صدر من أمير الجيش وأن النبي - صلى الله عليه وسلم - أقر ذلك وأجازه لأنه قال فيه ولم يغيره النبي ، صلى الله عليه وسلم .

                                                                                                          وفي رواية عبيد الله بن [ ص: 25 ] عمر عن نافع عنده أيضا : " ونفل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهذا يحمل على التقرير فتجتمع الروايتان ، قال النووي : معناه أن أمير السرية نفلهم فأجازه النبي - صلى الله عليه وسلم - فجازت نسبته لكل منهما .

                                                                                                          قال في الاستذكار في رواية مالك : إن النفل من الخمس لا من رأس الغنيمة ، وكذلك رواية عبيد الله وأيوب عن نافع ، وفي رواية ابن إسحاق عنه أنه من رأس الغنيمة لكنه ليس كهؤلاء في نافع ، وفي الحديث أن الجيش إذا انفردت منه قطعة فغنمت شيئا كانت الغنيمة للجميع ، قال ابن عبد البر : لا تختلف الفقهاء في ذلك إذا خرج الجيش جميعه ثم انفردت منه قطعة انتهى .

                                                                                                          وليس المراد الجيش القاعد في بلاد الإسلام فإنه لا يشارك الخارج إلى بلاد العدو ، بل قال ابن دقيق العيد : في الحديث دلالة على أن المنقطع من الجيش عن الجيش الذي فيه الإمام ينفرد بما يغنمه ، وإنما قالوا بمشاركة الجيش لهم إذا كانوا قريبا منهم يلحقهم عونه وغوثه لو احتاجوا ، وهذا القيد في مذهب مالك التنفيل ومعناه تخصيص من له أثر في الحرب بشيء من المال ، وكره مالك أن يكون من أمير الجيش كأن يحرض على القتال ويعد بأن ينفل الربع إلى الثلث قبل القسم لأن القتال حينئذ يكون للدنيا فلا يجوز مثل هذا ، وخصه عمرو بن شعيب بالنبي - صلى الله عليه وسلم - دون من بعده ففيه رد على مدعي الإجماع على مشروعيته ، واختلف العلماء هل هو من أصل الغنيمة أو من خمس الخمس أو مما عدا الخمس ؟ قال الخطابي : والذي يقرب من حديث الباب أنه من الخمس لأنه أضاف الإثني عشر إلى سهمانهم فكأنه أشار إلى أنه ثبت لهم استحقاقه من الأخماس الأربعة الموزعة عليهم فيبقى النفل من الخمس .

                                                                                                          ورواه البخاري عن عبد الله بن يوسف ومسلم عن يحيى وأبو داود عن القعنبي كلهم عن مالك به وتابعه جماعة عن نافع في الصحيحين وغيرهما .




                                                                                                          الخدمات العلمية