الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


فصل :

[ الحكمة في الفرق بين اتحاد الجنس واختلافه في تحريم الربا ]

وأما قوله : " وحرم بيع مد حنطة بمد وحفنة ، وجوز بيعه بقفيز شعير " فهذا من محاسن الشريعة التي لا يهتدي إليها إلا أولو العقول الوافرة ، ونحن نشير إلى حكمة ذلك إشارة بحسب عقولنا الضعيفة وعباراتنا القاصرة ، وشرع الرب تعالى وحكمته فوق عقولنا وعباراتنا ، فنقول : [ الربا نوعان جلي وخفي والجلي النسيئة ] . الربا نوعان : جلي وخفي ، فالجلي حرم لما فيه من الضرر العظيم ، والخفي حرم ; لأنه ذريعة إلى الجلي ; فتحريم الأول قصدا ، وتحريم الثاني وسيلة : فأما الجلي فربا النسيئة ، وهو الذي كانوا يفعلونه في الجاهلية ، مثل أن يؤخر دينه ويزيده في المال ، وكلما أخره زاد في المال ، حتى تصير المائة عنده آلافا مؤلفة ; وفي الغالب لا يفعل ذلك إلا معدم محتاج ; فإذا رأى أن المستحق يؤخر مطالبته ويصبر عليه بزيادة يبذلها له تكلف بذلها ليفتدي من أسر المطالبة والحبس ، ويدافع من وقت إلى وقت ، فيشتد ضرره ، وتعظم مصيبته ، ويعلوه الدين حتى يستغرق جميع موجوده ، فيربو المال على المحتاج من غير نفع يحصل له ، ويزيد مال المرابي من غير نفع يحصل منه لأخيه ، فيأكل مال أخيه بالباطل ، ويحصل أخوه على غاية الضرر ، فمن رحمة أرحم الراحمين وحكمته وإحسانه إلى خلقه أن حرم الربا ، ولعن آكله ومؤكله وكاتبه وشاهديه ، وآذن من لم يدعه بحربه وحرب رسوله ، ولم يجئ مثل هذا الوعيد في كبيرة غيره ، ولهذا كان من أكبر الكبائر ، وسئل الإمام أحمد عن الربا الذي لا شك فيه فقال : هو أن يكون له دين فيقول له : أتقضي أم تربي ؟ فإن لم يقضه زاده في المال وزاده هذا في الأجل ; وقد جعل الله سبحانه الربا ضد الصدقة ، فالمرابي ضد المتصدق ، قال الله تعالى : { يمحق الله الربا ويربي الصدقات } وقال : { وما آتيتم من ربا ليربو في أموال الناس فلا يربو عند الله وما آتيتم من زكاة تريدون وجه الله فأولئك هم المضعفون } وقال : { يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا الربا أضعافا مضاعفة واتقوا الله لعلكم تفلحون واتقوا النار التي أعدت للكافرين } [ ص: 104 ] ثم ذكر الجنة التي أعدت للمتقين الذين ينفقون في السراء والضراء ، وهؤلاء ضد المرابين ، فنهى سبحانه عن الربا الذي هو ظلم للناس ، وأمر بالصدقة التي هي إحسان إليهم .

وفي الصحيحين من حديث ابن عباس عن أسامة بن زيد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : { إنما الربا في النسيئة } ومثل هذا يراد به حصر الكمال وأن الربا الكامل إنما هو في النسيئة ، كما قال تعالى : { إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا وعلى ربهم يتوكلون } إلى قوله : { أولئك هم المؤمنون حقا } وكقول ابن مسعود : " إنما العالم الذي يخشى الله " .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث