الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

باب العمل في غسل الجنابة

حدثني يحيى عن مالك عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة أم المؤمنين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا اغتسل من الجنابة بدأ بغسل يديه ثم توضأ كما يتوضأ للصلاة ثم يدخل أصابعه في الماء فيخلل بها أصول شعره ثم يصب على رأسه ثلاث غرفات بيديه ثم يفيض الماء على جلده كله [ ص: 191 ]

التالي السابق


[ ص: 191 ] 17 - باب العمل في غسل الجنابة

قال الله تعالى : ( وإن كنتم جنبا فاطهروا ) ( سورة المائدة : الآية 6 ) أي اغتسلوا كما قال في النساء : ( ولا جنبا إلا عابري سبيل حتى تغتسلوا ) ( سورة النساء : الآية 43 ) قال الشافعي : في الأم : فرض الله تعالى الغسل مطلقا لم يذكر فيه شيئا يبدأ به قبل شيء فكيف ما جاء به المغتسل أجزأه إذا أتى بغسل جميع بدنه ، والاحتياط في الغسل ما روت عائشة ، ثم روى حديث الباب عن مالك بسنده قال ابن عبد البر : هو أحسن حديث روي في ذلك ، فإن لم يتوضأ قبل الغسل ولكن عم جسده ورأسه ونواه فقد أدى ما عليه بلا خلاف ، لكنهم مجمعون على استحباب الوضوء قبل الغسل .

100 98 - ( مالك عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة ) بالهمز ، وعوام الحديث يبدلونها ياء ( أم المؤمنين ) بنص : ( وأزواجه أمهاتهم ) ( سورة الأحزاب : الآية 6 ) وهل هن أمهات المؤمنات أيضا ؟ قولان مرجحان ( أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان إذا اغتسل ) أي شرع في الغسل أو أراد أن يغتسل ( من الجنابة ) أي لأجلها فمن سببية ( بدأ بغسل يديه ) قال الحافظ : يحتمل للتنظيف من مستقذر ويقويه حديث ميمونة ، ويحتمل أنه الغسل المشروع عند القيام من النوم ويدل عليه زيادة ابن عيينة في هذا الحديث عن هشام قبل أن يدخلهما في الإناء . رواه الشافعي والترمذي وزاد أيضا : ثم يغسل فرجه ، وكذا لمسلم من رواية أبي معاوية وأبي داود من رواية حماد بن زيد كلاهما عن هشام وهي زيادة جليلة لأن بتقديم غسله يحصل الأمن من مسه في أثناء الغسل .

( ثم توضأ كما يتوضأ للصلاة ) احترازا عن الوضوء اللغوي وهو غسل اليدين ، وظاهره أنه يتوضأ وضوءا كاملا وهو مذهب مالك والشافعي ، قال الفاكهاني : وهو المشهور ، وقيل يؤخر غسل قدميه إلى بعد الغسل لحديث ميمونة ، وقيل إن كان موضعه وسخا أخر وإلا فلا ، وقال الحنفية : إن كان في مستنقع أخر وإلا فلا ، وظاهره [ ص: 192 ] أيضا مشروعية التكرار ثلاثا وهو كذلك ، لكن قال عياض : لم يأت في شيء من الروايات في وضوء الغسل ذكر التكرار ، وقد قال بعض شيوخنا : إن التكرار في الغسل لا فضيلة فيه ، ورده الحافظ بأنه ورد من طرق صحيحة أخرجها النسائي والبيهقي من طريق أبي سلمة عن عائشة أنها وصفت غسل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من الجنابة الحديث وفيه : " ثم تمضمض ثلاثا واستنشق ثلاثا " وتعقبه الأبي أيضا بأن إحالتها على وضوء الصلاة يقتضي التثليث ولا يلزم منه أنه لا فضيلة في عمل الغسل أن لا يكون في وضوئه ، ومن شيوخنا من كان يفتي سائله بالتكرار ، وقيل معنى التشبيه أنه يكتفي بغسلهما في الوضوء عن إعادته وعليه فيحتاج إلى نية غسل الجنابة في أول عضو ، وإنما قدم غسل أعضاء الوضوء تشريفا لها وليحصل له صورة الطهارتين الصغرى والكبرى .

قال ابن عبد البر : وأجمعوا على أنه ليس عليه أن يعيد غسل أعضاء الوضوء في غسله لأنه قد غسلها في وضوئه ، وإنما بدأ الأعضاء خاصة للسنة لأنه ليس في الغسل رتبة ، وكذا قال ابن بطال ، قال الحافظ : وهو مردود فقد ذهب أبو ثور وداود وجماعة إلى أن الغسل لا ينوب عن الوضوء للحدث اه .

وأورد ابن دقيق العيد أن الحديث يدل على أن هذه الأعضاء مغسولة عن الجنابة إذ لو كانت للوضوء لم يصح التشبيه لعدم المغايرة ، وأجاب بحصول المغايرة من حيث إنه شبه الوضوء الواقع في ابتداء غسل الجنابة بالوضوء للصلاة المعتاد المنفرد بنفسه في غير الغسل ، وبأن وضوء الصلاة له صورة معنوية ذهنية فشبه هذا الفرد الواقع في الخارج بتلك الصورة المعهودة في الذهن .

( ثم يدخل أصابعه في الماء فيخلل بها ) أي أصابعه التي أدخلها في الإناء ( أصول شعره ) أي شعر رأسه لرواية حماد بن سلمة عن هشام عند البيهقي : يخلل بها شق رأسه الأيمن فيتبع بها أصول الشعر ثم يغسل شق رأسه الأيسر كذلك .

وقال القاضي عياض : احتج به بعضهم على تخليل شعر اللحية في الغسل إما لعموم قوله : أصول شعره وإما بالقياس على شعر الرأس ، وفائدة التخليل إيصال الماء إلى الشعر والبشرة ومباشرة الشعر باليد ليحصل تعميمه بالماء وتأنيس البشرة لئلا يصيبها بالصب ما تتأذى به ، ثم هذا التخلل غير واجب اتفاقا إلا إن كان الشعر ملبدا بشيء يحول بين الماء وبين الوصول إلى أصوله .

وفي رواية مسلم ثم يأخذ الماء فيدخل أصابعه في أصول الشعر .

وللترمذي والنسائي من طريق ابن عيينة : ثم يشرب شعره الماء .

( ثم يصب ) ذكرته بلفظ المضارع وما قبله بلفظ الماضي وهو الأصل لإرادة استحضار صورة الحال للسامعين ، ( على رأسه ثلاث غرفات بيديه ) بفتح الراء جمع غرفة على المشهور في جمع القلة ، والأصل في مميز الثلاثة [ ص: 193 ] أن يكون من جموع القلة ، ووقع لرواة البخاري غرف جمع كثرة إما لقيامه مقام جمع القلة أو بناء على قول الكوفيين أنه جمع قلة كعشر سور وثماني حجج ، والتثليث خاص بالرأس كما هو مدلول رأسه وهو المشهور عند المالكية ، قال القرطبي : وحمل التثليث في هذه الرواية على رواية ابن القاسم عن عائشة أن كل غرفة كانت في جهة من جهات الرأس .

( ثم يفيض ) أي يسيل ( الماء على جلده ) أي بدنه وقد يكنى بالجلد عن البدن قاله الرافعي ، واحتج به من لم يشترط الدلك ; لأن الإفاضة الإسالة ، وقال المازري : لا حجة فيه لأن فاض بمعنى غسل فالخلاف فيه قائم .

( كله ) أكده دلالة على أنه عم جميع بدنه بالغسل بعدما تقدم دفعا لتوهم إطلاقه على أكثره تجوزا ، ففيه استحباب إكمال الوضوء قبل الغسل ولا يؤخر غسل الرجلين إلى فراغه وهو ظاهر قولها كما يتوضأ للصلاة وهذا هو المحفوظ في حديث عائشة من هذا الوجه ، ولمسلم من رواية أبي معاوية عن هشام فقال في آخره : ثم أفاض على سائر جسده ثم غسل رجليه ، وهذه الزيادة تفرد بها أبو معاوية دون أصحاب هشام ، قال البيهقي : هي غريبة صحيحة ، قال الحافظ : لكن لها شاهد من رواية أبي سلمة عن عائشة بلفظ : فإذا فرغ غسل رجليه ، رواه أبو داود .

فإما أن يحمل قولها كما يتوضأ للصلاة على أكثره وهو ما سوى الرجلين أو يحمل على ظاهره ، ويستدل برواية أبي معاوية على جواز تفريق الوضوء ، ويحتمل أن قوله : ثم غسل رجليه أي أعاد غسلهما لاستيعاب الغسل بعد أن كان غسلهما في الوضوء فيوافق حديث الباب .

ورواه البخاري عن عبد الله بن يوسف وأبو داود والترمذي والنسائي عن قتيبة كلاهما عن مالك به ، وتابعه أبو معاوية وجرير وعلي بن مسهر وابن نمير ووكيع كلهم عن هشام عند مسلم قائلا : وليس في حديثهم غسل الرجلين إلا في حديث أبي معاوية يعني فروايته شاذة كما علم ، ثم الشذوذ إنما هو في حديث عائشة هذا وإلا فهو ثابت في حديث ميمونة في الصحيحين ، وجمع بينهما بأنه فعل عند كل منهما ما حدثت به ، فبحسب اختلاف الحالين اختلف نظر العلماء كما تقدم ، والله أعلم .

تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث