الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

فصل في الأمر باليد

جزء التالي صفحة
السابق

[ ص: 87 ] فصل في الأمر باليد [ ص: 88 ] ( وإن قال لها : أمرك بيدك ينوي ثلاثا فقالت : قد اخترت نفسي بواحدة فهي ثلاث ) لأن الاختيار يصلح جوابا للأمر باليد لكونه تمليكا كالتخيير ، والواحدة صفة للاختيارة ، فصار كأنها قالت : اخترت نفسي بمرة واحدة وبذلك يقع الثلاث [ ص: 89 ] ( ولو قالت : قد طلقت نفسي بواحدة أو اخترت نفسي بتطليقة فهي واحدة بائنة ) لأن الواحدة نعت لمصدر محذوف وهو في الأولى الاختيارة ، وفي الثانية التطليقة إلا أنها تكون بائنة لأن التفويض في البائن ضرورة ملكها أمرها ، وكلامها خرج جوابا له فتصير الصفة المذكورة في التفويض مذكورة في الإيقاع وإنما تصح نية الثلاث في قوله : أمرك بيدك لأنه يحتمل العموم والخصوص ونية الثلاث نية التعميم ، [ ص: 90 ] بخلاف قوله : اختاري لأنه لا يحتمل العموم وقد حققناه من قبل .

التالي السابق


( فصل في الأمر باليد ) قدم التخيير لتأيده بإجماع الصحابة ، والأمر باليد كالتخيير في جميع مسائله من اشتراط ذكر النفس أو ما يقوم مقامه ومن عدم ملك الزوج الرجوع وغير ذلك مما قدمناه سوى نية الثلاث فإنها تصح هاهنا لا في التخيير .

واعلم أن التفويض بلفظ أمرك بيدك لا يعلم فيه خلاف ، وصحته قياس واستحسان ، وكذا صحة التفويض بلفظ اختاري نفسك لأنه يملك تطليقها فله أن يملكه بكل لفظ يفهم التفويض منه ، ولفظ اختاري نفسك يفيده ، فعلى هذا إنما يتجه تقديم التفويض بلفظ اختاري لتأيده بإجماع الصحابة رضي الله عنهم نصا ، بخلافه بلفظ الأمر باليد ، فإنه وإن لم يعلم فيه خلاف أحد لم يقع به ذلك النقل صريحا ، وإنما افترق البابان في القياس والاستحسان في الإيقاع [ ص: 88 ] بلفظ الاختيار ، فإن إيقاعها به إنما يجوز استحسانا بإجماع الصحابة لا قياسا لأن الزوج لا يملك الإيقاع به فلا يملك به المملك إذ لا يكون ما في ملكه أوسع مما في ملك مملكه وهذا يتساوى فيه البابان ، فإن إيقاعها بلفظ اخترت نفسي يصح في جواب أمرك بيدك كما يصح في اختاري .

وأما الإيقاع بلفظ أمري بيدي ونحوه فلا يصح قياسا ولا استحسانا فلا تحم حول الحمى وتترك النزول مخافة ( قوله : وإن قال لها : أمرك بيدك ينوي ثلاثا ) أي ينوي التفويض في ثلاث ( فقالت : اخترت نفسي بواحدة فهي ثلاث لأن الاختيار يصلح جوابا للأمر باليد ) وهنا مقامان : الوقوع وكونه ثلاثا ، والوقوع مبني على صحته جوابا ، فأفاده بقوله لكونه أي الأمر باليد تمليكا كالتخيير فجوابه جوابه وهو منقوض بطلقي نفسك فإنه تمليك كالتخيير ، ولا يصلح اخترت نفسي جوابا له حتى لا يقع به شيء إلا عند زفر رحمه الله .

وجواب شمس الأئمة بأن الاختيار أضعف من لفظ الطلاق ، ولذا لو قالت : طلقت نفسي فأجازه مبتدأ جاز ، ولو قالت : اخترت نفسي لا يتوقف ولا يقع ، وإن أجازه ولا يملك هو الإيقاع به فصلح الأقوى جوابا للأضعف دون العكس لا يدفع الوارد على المصنف ، ثم كون الأقوى يصلح جوابا للأضعف بلا عكس يحتاج إلى التوجيه .

ويمكن كونه لأن الجواب هو العامل والتفويض شرط عمله فلا يكون دونه بل فائقا أو مساويا . وفرق قاضي خان في شرح الزيادات بأن قولها اخترت مبهم ، وقوله : طلقي نفسك مفسر والمبهم لا يصلح جوابا للمفسر وهو مشكل على ما تقدم من تقرير الاكتفاء بالتفسير في أحد الجانبين ، ثم أفاد الثاني بقوله ( والواحدة ) أي التي نطقت بها ( صفة الاختيارة فصار كأنها قالت : اخترت نفسي بمرة واحدة وبذلك يقع الثلاث ) وكان الظاهر أن يقول باختيارة واحدة لأنه جعلها وصفا لها لكنه قصد التنبيه على أن موجب وقوع الثلاث وصرحت بقولها [ ص: 89 ] اختيارة واحدة كون المراد بمرة واحدة ، فإن الاختيارة ليست إلا المرة من الاختيار ، وإذا كان اختيارها بمرة واحدة انتفى الاختيار بعده ، وكونها بحيث لا يتصور لها اختيار آخر هو بأن يقع الثلاث ، ويقال في العرف تركته بمرة واحدة وكرهته بمرة وأعرضت عنه مرة واحدة ، وما لا يحصى من هذا لا يراد به إلا بلوغ ما قيد به من الترك مثلا والكراهة والإعراض منتهاه .

وأورد بعضهم أنه ينبغي أن يقع به طلقة واحدة لأن بواحدة يحتمل كونه صفة طلقة ولما جعل أمرها بيدها في التطليق فقولها : اخترت نفسي بواحدة يحتمل كلا من كون إرادة الموصوف طلقة [ ص: 90 ] أو اختيارة ، فإذا نوتها أو لم تكن لها نية تقع واحدة .

والجواب أن الاحتمالين لم يتساويا ، فإن خصوص العامل اللفظي قرينة خصوص المقدر وهو هنا لفظ اخترت في قولها : اخترت نفسي بواحدة ، بخلاف ما إذا أجابت بطلقت نفسي بواحدة حيث تقدر الطلقة وهو بخصوص العامل أيضا ، وبهذا وقع الفرق بين جوابها بطلقت نفسي بواحدة حيث يقع واحدة بائنة واخترت نفسي بواحدة حيث يقع ثلاثا ، وإنما كانت التطليقة بائنة لأن التفويض إنما يكون في البائن لأنها به تملك أمرها وإنما تملكه بالبائن لا بالرجعي ، وإذا علم أن الأمر باليد مما يراد به الثلاث ، فإذا قال الزوج : نويت التفويض في واحدة بعدما طلقت نفسها ثلاثا في الجواب يحلف أنه ما أراد به الثلاث ( قوله : وقد حققناه من قبل ) أي في فصل الاختيار بقوله الاختيار لا يتنوع .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث