الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


جزء التالي صفحة
السابق

النوع الثاني : ألفاظ الأكل والشرب ، وفيه مسائل . الأولى : حلف ، فقال : لا أشرب من ماء هذه الإداوة أو الجرة ، حنث بما [ ص: 34 ] شرب من مائها من قليل أو كثير . ولو قال : لأشربن من مائها ، بر بما شرب وإن قل . وإن قال : لا أشرب من ماء هذا النهر ، أو لأشربن منه ، فالحكم كالإداوة . ولو قال : لا أشرب من ماء هذه الإداوة أو الحب أو المصنع أو غيرها مما يمكن شرب جميعه ولو في مدة طويلة ، لم يحنث إلا بشرب جميعه . ومتى بقي شيء منه ، لم يحنث . قال في شرح مختصر الجويني : سوى البلل الذي يبقى في العادة . ولو قال : لأشربن ماء هذه الإداوة أو الحب ، لم يبر إلا بشرب الجميع . ولو قال : لا أشرب ماء هذا النهر أو البحر أو البئر العظيمة ، فهل يحنث بشرب بعضه ؟ وجهان : أحدهما : نعم ، وبه قال ابن سريج ، وابن أبي هريرة وأصحهما : لا ، وبه قال أبو إسحاق ، وعامة الأصحاب ، وصححه الشيخ أبو حامد ، والقاضي أبو الطيب والروياني كمسألة الإداوة . قال القاضي : وينبغي أن يقال : لا تنعقد يمينه كما لو حلف : لا يصعد السماء ، لأن الحنث فيه غير متصور . ولو حلف ليشربن ماء هذا النهر أو البحر ، فوجهان : أحدهما : يبر بشرب بعضه وإن قل ، وأصحهما : لا يبر ببعضه ، وعلى هذا هل يلزمه الكفارة في الحال أم قبيل الموت ؟ وجهان ، أصحهما : الأول ، لأن العجز متحقق في الحال ، وإنما يحسن الانتظار فيما يتوقع حصوله . وقيل : لا تنعقد اليمين أصلا ، لأن البر غير متصور ، ولو حلف : ليصعدن السماء ، ففي انعقاد يمينه وجهان ، الأصح : الانعقاد ، وعلى هذا فيحكم بالحنث في الحال ، أم قبل الموت ؟ فيه الوجهان . ولو قال : لأصعدن السماء غدا ، وفرعنا على انعقاد اليمين ، فهل يحنث وتجب الكفارة في الحال ، أم بعد مجيء الغد ؟ فيه الوجهان . ويشبه أن يرجح هنا الثاني . وعلى هذا ، فهل يحنث قبيل غروب الشمس من الغد ، أم قبل ذلك ؟ فيه خلاف سيأتي في نظيره إن شاء الله تعالى . ولو حلف : لا يصعد السماء ، فهل ينعقد [ ص: 35 ] يمينه ؟ وجهان ، أحدهما : نعم ، وإن لم يتصور الحنث ، كما لو حلف أنه فعل كذا أمس ، وهو صادق ، وأصحهما : لا ، بخلاف صورة الاستشهاد ، لأن الحلف هناك محتمل الكذب .

فرع

قال : لأشربن ماء هذه الإداوة ، ولا ماء فيها ، أو لأقتلن فلانا وهو ميت ، فأربعة أوجه . أصحها : أنه يحنث وتجب الكفارة في الحال ، والثاني : قبيل الموت ، والثالث : لا تنعقد اليمين ، والرابع : يحنث في القتل دون الشرب . ولو قال : لأقتلن فلانا وهو يظنه حيا وكان ميتا ، ففي الكفارة خلاف بناء على يمين الناسي .

فرع

قال القاضي أبو الطيب : قال الأصحاب : لو قال : والله لا آكل خبز الكوفة ، أو خبز بغداد ، لم يحنث بأكل بعضه ، إلا أن ينوي غير ذلك .

فرع

قال : لأشربن ماء هذه الإداوة . فانصب قبل أن يشرب ، أو مات الحالف ، نظر ، إن كان بعد الإمكان ، حنث . وإن كان قبله ، فقولان كالمكره . ولو قال : لأشربن منه ، فصبه في حوض ، ثم شرب منه من موضع يعلم أنه وصل إليه ، بر ، وإن حلف : لا يشرب منه ، فصبه في حوض وشرب منه ، حنث . وكذا لو حلف : لا يشرب من لبن هذه البقرة ، فخلط بلبن غيرها ، بخلاف ما لو حلف : لا يأكل هذه [ ص: 36 ] التمرة ، فخلطها بصبرة ، لا يحنث إلا بأكل جميع الصبرة ، والفرق ظاهر .

فرع

حلف : لا يشرب ماء فراتا أو من ماء فرات ، حمل على الماء العذب من أي موضع كان . وإن قال : من ماء الفرات ، حمل على النهر المعروف . ولو قال : لا أشرب ماء الفرات ، أو لا أشرب من ماء الفرات ، فسواء أخذ الماء بيده ، أو في إناء فشرب أو كرع فيه ، حنث . ولو قال : لا أشرب من ماء نهر كذا ، فشرب من ساقية تخرج منه ، أو من بئر محفورة بقرب النهر ، يعلم أن ماءها منه ، حنث . ولو قال : لا أشرب من نهر كذا ، ولم يذكر الماء ، فشرب من ساقية تخرج منه ، حنث على الأصح ، كما لو أخذ الماء في إناء . ولو حلف : لا يشرب من هذه الجرة أو غيرها مما يعتاد الشرب منه ، فجعل ماءه في كوز وشربه ، لم يحنث .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث