الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

قوله تعالى ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا

ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله والذين آمنوا أشد حبا لله

عطف على إن في خلق السماوات والأرض إلخ لأن تلك الجملة تضمنت أن قوما يعقلون استدلوا بخلق السماوات والأرض وما عطف عليه على أن الله واحد فوحدوه ، فناسب أن يعطف عليه شأن الذين لم يهتدوا لذلك فاتخذوا لأنفسهم شركاء مع قيام تلك الدلائل الواضحة ، فهؤلاء الذين اتخذوا من دون الله هم المتحدث عنهم آنفا بقوله تعالى إن الذين كفروا وماتوا وهم كفار الآيات .

وقوله من الناس خبر مقدم وقد ذكرنا وجه الإخبار به وفائدة تقديمه عند قوله تعالى ومن الناس من يقول آمنا بالله وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين ، وعطفه على ذكر دلائل الوحدانية وتقديم الخبر وكون الخبر من الناس مؤذن بأنه تعجب من شأنهم .

و " من " في قوله من يتخذ ماصدقها فريق لا فرد بدليل عود الضمير في قوله يحبونهم كحب الله .

والمراد بالأنداد الأمثال في الألوهية والعبادة ، وقد مضى الكلام على الند بكسر النون عند قوله تعالى فلا تجعلوا لله أندادا وأنتم تعلمون . وقوله من دون الله معناه مع الله لأن " دون " تؤذن بالحيلولة بمعنى وراء فإذا قالوا اتخذه دون الله فالمعنى أنه أفرده وأعرض عن الله ، وإذا قالوا : اتخذه من دون الله فالمعنى أنه جعله بعض حائل عن الله أي أشركه مع الله لأن الإشراك يستلزم الإعراض عن الله في أوقات الشغل بعبادة ذلك الشريك .

[ ص: 90 ] وقوله من دون الله حال من ضمير يتخذ ، وقوله يحبونهم بدل من يتخذ بدل اشتمال ، لأن الاتخاذ يشتمل على المحبة والعبادة ويجوز كونه صفة لمن ، ويجوز أن يكون صفة لـ أندادا لكنه ضعيف لأن فيه إيهام الضمائر لاحتمال أن يفهم أن المحب هم الأنداد يحبون الذين اتخذوهم ، والأظهر أن يكون حالا من من تفظيعا لحالهم في هذا الاتخاذ وهو اتخاذ أنداد سووها بالله تعالى في محبتها والاعتقاد فيها .

والمراد بالأنداد هنا وفي مواقعه من القرآن ، الأصنام لا الرؤساء كما قيل ، وعاد عليهم ضمير جماعة العقلاء المنصوب في قوله يحبونهم لأن الأصنام لما اعتقدوا ألوهيتها فقد صارت جديرة بضمير العقلاء على أن ذلك مستعمل في العربية ولو بدون هذا التأويل ، والمحبة هنا مستعملة في معناها الحقيقي وهو ميل النفس إلى الحسن عندها بمعاينة أو سماع أو حصول نفع محقق أو موهوم لعدم انحصار المحبة في ميل النفس إلى المرئيات خلافا لبعض أهل اللغة ، فإن الميل إلى الخلق - بضم الخاء - الحسن وإلى الفعل الحسن والكمال ، محبة أشد من محبة محاسن الذات فتشترك هذه المعاني في إطلاق اسم المحبة عليها باعتبار الحاصل في النفس وقطع النظر عن سبب حصوله .

فالتحقيق أن الحب يتعلق بذكر المرء وحصول النفع منه وحسن السمعة وإن لم يره فنحن نحب الله لما نعلمه من صفات كماله ولما يصلنا من نعمته وفضله ورحمته ، ونحب رسوله لما نعلم من كماله ولما وصل إلينا على يديه ولما نعلم من حرصه على هدينا ونجاتنا ، ونحب أجدادنا ، ونحب أسلافنا من علماء الإسلام ، ونحب الحكماء والمصلحين من الأولين والآخرين ، ولله در أبي مدين في هذا المعنى :


وكم من محب قد أحب وما رأى وعشق الفتى بالسمع مرتبة أخرى

وبضد ذلك كله تكون الكراهية ، ومن الناس من زعم أن تعلق المحبة بالله مجاز مرسل في الطاعة والتعظيم بعلاقة اللزوم لأن طاعة المحب للمحبوب لازم عرفي لها قال الجعدي :


لو كان حبك صادقا لأطعته     إن المحب لمن يحب مطيع

أو مجاز بالحذف ، والتقدير : يحبون ثواب الله أو نعمته لأن المحبة لا تتعلق بذات الله ، إما لأنها من أنواع الإرادة والإرادة لا تتعلق إلا بالجائزات وهو رأي بعض المتكلمين ، وإما لأنها طلب الملائم .

[ ص: 91 ] واللذة لا تحصل بغير المحسوسات وكلا الدليلين ظاهر الوهن كما بينه الفخر ، وعلى هذا التفضيل بين إطلاق المحبة هنا يكون التشبيه راجعا إلى التسوية في القوة ومنهم من جعل محبة الله تعالى مجازا وجعلها في قوله يحبونهم أيضا مجازا وعلى ذلك درج في الكشاف وكان وجهه أن الأصل في تشبيه اسم بمثله أن يكون تشبيه فرد من الحقيقة بآخر منها . وقد علمت أنه غير متعين .

وقوله كحب الله مفيد لمساواة الحبين ، لأن أصل التشبيه المساواة وإضافة حب إلى اسم الجلالة من الإضافة إلى المفعول فهو بمنزلة الفعل المبني إلى المجهول .

فالفاعل المحذوف حذف هنا لقصد التعميم أي كيفما قدرت حب محب لله فحب هؤلاء أندادهم مساو لذلك الحب ، ووجه هذا التعميم أن أحوال المشركين مختلفة ، فمنهم من يعبد الأنداد من الأصنام أو الجن أو الكواكب ويعترف بوجود الله ويسوي بين الأنداد وبينه ، ويسميهم شركاء أو أبناء لله تعالى ، ومنهم من يجعل لله تعالى الإلهية الكبرى ويجعل الأنداد شفعاء إليه ، ومنهم من يقتصر على عبادة الأنداد وينسى الله تعالى . قال تعالى نسوا الله فأنساهم أنفسهم ، ومن هؤلاء صابئة العرب الذين عبدوا الكواكب ، ولله تعالى محبون من غير هؤلاء ومن بعض هؤلاء ، فمحبة هؤلاء أندادهم مساوية لمحبة محبي الله إياه أي مساوية في التفكير في نفوس المحبين من الفريقين فيصح أن تقدر يحبونهم كما يجب أن يحب الله أو يحبونهم كحب الموحدين لله إياه أو يحبونهم كحبهم الله ، وقد سلك كل صورة من هذه التقادير طائفة من المفسرين ، والتحقيق أن المقدر هو القدر المشترك وهو ما قدرناه في أول الكلام .

واعلم أن المراد إنكار محبتهم الأنداد من أصلها لا إنكار تسويتها بحب الله تعالى ، وإنما قيدت بمماثلة محبة الله لتشويهها وللنداء على انحطاط عقول أصحابها ، وفيه إيقاظ لعيون معظم المشركين وهم الذين زعموا أن الأصنام شفعاء لهم كما كثرت حكاية ذلك عنهم في القرآن ، فنبهوا إلى أنهم سووا بين محبة التابع ومحبة المتبوع ، ومحبة المخلوق ومحبة الخالق لعلهم يستفيقون فإذا ذهبوا يبحثون عما تستحقه الأصنام من المحبة وتطلبوا أسباب المحبة وجدوها مفقودة كما قال إبراهيم عليه السلام يا أبت لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنك شيئا مع ما في هذا الحال من زيادة موجب الإنكار .

[ ص: 92 ] وقوله والذين آمنوا أشد حبا لله أي أشد حبا لله من محبة أصحاب الأنداد أندادهم ، على ما بلغوا من التصلب فيها ، ومن محبة بعضهم لله ممن يعترف بالله مع الأنداد ، لأن محبة جميع هؤلاء المحبين وإن بلغوا ما بلغوا من التصلب في محبوبيهم لما كانت محبة مجردة عن الحجة لا تبلغ مبلغ أصحاب الاعتقاد الصميم المعضود بالبرهان ، ولأن إيمانهم بهم لأغراض عاجلة كقضاء الحاجات ودفع الملمات ، بخلاف حب المؤمنين لله فإنه حب لذاته وكونه أهلا للحب ، ثم يتبع ذلك أغراض أعظمها الأغراض الآجلة لرفع الدرجات وتزكية النفس .

والمقصود تنقيص المشركين حتى في إيمانهم بآلهتهم فكثيرا ما كانوا يعرضون عنها إذا لم يجدوا منها ما أملوه .

فمورد التسوية بين المحبتين التي دل عليها التشبيه مخالف لمورد التفضيل الذي دل عليه اسم التفضيل هنا ، لأن التسوية ناظرة إلى فرط المحبة وقت خطورها ، والتفضيل ناظر إلى رسوخ المحبة وعدم نزولها ، وهذا مأخوذ من كلام الكشاف ومصرح به في كلام البيضاوي مع زيادة تحريره ، وهذا يغنيك عن احتمالات وتمحلات عرضت هنا لبعض المفسرين وبعض شراح الكشاف .

وروي أن امرأ القيس لما أراد قتال بني أسد حين قتلوا أباه حجرا ملكهم مر على ذي الخلصة الصنم الذي كان بتبالة بين مكة واليمن فاستقسم بالأزلام التي كانت عند الصنم فخرج له القدح الناهي ثلاث مرات فكسر تلك القداح ورمى بها وجه الصنم وشتمه وأنشد :


لو كنت يا ذا الخلص الموتورا     مثلي وكان شيخك المقبورا
لم تنه عن قتل العداة زورا

ثم قصد بني أسد فظفر بهم .

وروي أن رجلا من بني ملكان جاء إلى سعد الصنم بساحل جدة وكان معه إبل فنفرت إبله لما رأت الصنم فغضب الملكاني على الصنم ورماه بحجر وقال :


أتينا إلى سعد ليجمع شملنا     فشتتنا سعد فما نحن من سعد
وهل سعد إلا صخرة بتنوفة     من الأرض لا تدعو لغي ولا رشد

[ ص: 93 ] وإنما جيء بأفعل التفضيل بواسطة كلمة أشد قال التفتزاني : آثر أشد حبا على " أحب " لأن أحب شاع في تفضيل المحبوب على محبوب آخر تقول : هو أحب إلي ، وفي القرآن قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحب إليكم من الله ورسوله إلخ .

يعني أن فعل أحب هو الشائع وفعل حب قليل ، فلذلك خصوا في الاستعمال كلا بمواقع نفيا للبس فقالوا : أحب وهو محب وأشد حبا ، وقالوا : حبيب من حب وأحب إلي من حب أيضا .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث