الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


1104 [ ص: 488 ] ( 13 ) باب ميراث أهل الملل

1055 - مالك ، عن ابن شهاب ، عن علي بن حسين بن علي ، عن عمر بن عثمان بن عفان ، عن أسامة بن زيد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " لا يرث المسلم الكافر " .

[ ص: 489 ] 1056 - مالك ، عن ابن شهاب ، عن علي بن أبي طالب ; أنه أخبره : إنما ورث أبا طالب عقيل وطالب . ولم يرثه علي قال : فلذلك تركنا نصيبنا من الشعب .

التالي السابق


22909 - قال أبو عمر : لم يتابع أحد من أصحاب ابن شهاب مالكا على قوله في الحديث الأول المسند عن عمر بن عثمان ، فكل من رواه عن ابن شهاب قال فيه عمرو بن عثمان ، إلا مالكا ، فإنه قال فيه عمر بن عثمان .

22910 - وقد وقفه على ذلك يحيي القطان ، والشافعي ، وابن مهدي ، وأبى إلا عمر بن عثمان .

22911 - وذكر ابن معين ، عن عبد الرحمن بن مهدي قال : قال لي مالك : تراني لا أعرف عمر من عمرو ، وهذه دار عمر ، وهذه دار عمرو .

22912 - قال أبو عمر : لا يختلف أهل النسب أنه كان لعثمان ابن يسمى عمر ، وابن يسمى عمرا ، إلا أن هذا الحديث لعمرو ، عند جماعة أهل الحديث ، لا لعمر ، وله أيضا من البنين أبان ، والوليد ، وسعيد ، ولكن صليبة أهل بيته في ذلك عمرو بن عثمان .

[ ص: 490 ] 22913 - وممن قال في هذا الباب عن ابن شهاب ، عن علي بن حسين ، عن عمرو بن عثمان ، عن أسامة بن زيد : معمر ، وابن عيينة ، وابن جريج ، وعقيل ، ويونس ، وشعيب ، والأوزاعي ، وهؤلاء جماعة أئمة حفاظ ، وهم أولى أن يسلم لهم ، ويصوب قولهم .

22914 - ومالك حافظ الدنيا ، ولكن الغلط لا يسلم منه أحد .

22915 - وقالت الجماعة . في هذا الحديث بإسناده المذكور عن النبي - صلى الله عليه وسلم - : " لا يرث المسلم الكافر ، ولا الكافر المسلم " ، فاقتصر مالك - رحمه الله - على موضع الفقه الذي فيه التنازع ، وعزف عن غيره ، فلم يقل : ولا الكافر المسلم ; لأن الكافر لا يرث المسلم بإجماع المسلمين على ذلك ، فلم يحتج إلى هذه اللفظة مالك .

22916 - وجاء من الحديث بما فيه الحجة على من خالفه في توريث المسلم من الكافر ، وهي مسألة اختلف فيها السلف ، وذلك أن معاذ بن جبل ، ومعاوية بن أبي سفيان كانا يورثان المسلم من الكافر .

22917 - وروي ذلك عن عمر بن الخطاب ، ولا يصح .

22918 - ورواه الثوري عن حماد بن إبراهيم ، عن عمر أنه قال : أهل الشرك نرثهم ، ولا يرثونا .

[ ص: 491 ] 22919 - والصحيح عنه أنه قال في أهل الكفر : لا نرثهم ، ولا يرثونا .

22920 - ذكره مالك ، عن يحيى بن سعيد ، عن سعيد بن المسيب ، عن عمر .

22921 - وروى مالك ، وابن جريج ، وابن عيينة ، عن يحيى بن سعيد ، عن سليمان بن يسار ، عن محمد بن الأشعث ، عن عمر ، أنه قال له في عمته وماتت نصرانية : " يرثها أهل دينها " .

22922 - ورواه ابن جريج أيضا عن عمرو بن ميمون ، عن العرس بن قيس ، عن عمر بن الخطاب في عمة الأشعث بن قيس : " يرثها أهل دينها " .

22922 م - وممن قال بقول معاذ ، ومعاوية : إن المسلمين يرثون قراباتهم من الكفار ، ولا يرثهم الكفار محمد بن علي ابن الحنفية ، ومحمد بن علي بن حسين ، وسعيد بن المسيب ، ومسروق ، ويحيى بن يعمر .

22923 - ورواية عن إسحاق بن راهويه .

22923 م - وقال بعضهم : نرثهم ، ولا يرثونا كما ننكح نساءهم ، ولا ينكحون نساءنا .

22924 - ورووا فيه حديثا ليس بالقوي مسندا ، قد ذكرته في " الإشراف " .

22925 - وقال عمر بن الخطاب ، وعلي بن أبي طالب وزيد ، وابن [ ص: 492 ] مسعود ، وابن عباس ، وجمهور التابعين بالحجاز ، والعراق : لا يرث المسلم الكافر ، كما لا يرث الكافر المسلم .

22926 - وبه قال مالك ، والشافعي ، وأبو حنيفة ، وأصحابهم ، والثوري ، والأوزاعي ، والليث بن سعيد ، وأبو عبيد ، وأحمد بن حنبل ، وداود بن علي ، وأبو جعفر الطبري ، وعامة العلماء .

22927 - وحجتهم حديث ابن شهاب هذا عن عمرو بن عثمان ، عن أسامة بن زيد ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : " لا يرث الكافر المسلم ، ولا المسلم الكافر " .

22928 - واختلفوا في معنى هذا الحديث في ميراث المرتد على قولين : 22929 - ( أحدهما ) : أن ماله إذا قتل على ردته في بيت المال لجماعة المسلمين .

22930 - وهو قول زيد بن ثابت ، وجمهور فقهاء الحجاز .

22931 - وبه قال مالك ، والشافعي .

22932 - وحجتهم أن ظاهر القرآن في قطع ولاية المؤمنين من الكفار .

22933 - وعموم قول النبي - صلى الله عليه وسلم - : " لا يرث المسلم الكافر " ، ولم يخص مرتدا من غيره .

22934 - وقال أبو حنيفة ، والثوري ، وجمهور الكوفيين ، وكثير من [ ص: 493 ] البصريين : إذا قتل المرتد على ردته ، ورثه ورثته من المسلمين .

22936 - قال : ولا يرث المرتد أحدا من مسلم ، ولا كافر .

22937 - وروى الأعمش ، عن أبي عمرو الشيباني قال : أتي علي - رضي الله عنه - بالمستورد العجلي ، وقد ارتد ، فعرض عليه الإسلام ، فأبى ، فضرب عنقه ، وجعل ميراثه لورثته من المسلمين .

22938 - وهو قول ابن مسعود .

22939 - وتأول من ذهب إلى هذا في قول النبي - صلى الله عليه وسلم - : " لا يرث المسلم الكافر " ، أي الكافر الذي يقر على دينه .

22940 - وأما المرتد ، فلا دين له ، ولا ملة يقر عليها .

22941 - ومن حجتهم أيضا أن قرابة المسلم المرتد مسلمون .

22942 - فقد جمعوا القرابة والإسلام .

22943 - وتأول أصحاب مالك ، والشافعي في حديث علي أنه جعل ميراث المرتد لقرابته المسلمين ; لما رأى فيهم من الحاجة ، وكانوا ممن يستحقون ذلك في جماعة المسلمين من بيت مالهم ، ولا يمكن عموم جماعة المسلمين بميراثه ذلك ، فجعله لورثته على هذا الوجه لا على أنه ورثهم منه على طريق الميراث ، والله أعلم .

[ ص: 494 ] 22944 - واختلفوا في توريث أهل الملل بعضهم من بعض .

22945 - فذهب مالك إلى أن الكفر ملل مختلفة ، فلا يرث عنده يهودي نصرانيا ولا يرثه النصراني ، وكذلك المجوسي لا يرث نصرانيا ولا يهوديا ولا يرثانه .

22946 - وهو قول ابن شهاب ، وربيعة ، والحسن البصري .

22947 - وبه قال شريك القاضي ، وأحمد ، وإسحاق ، وحجتهم حديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : " لا يتوارث أهل ملتين " .

22948 - رواه جماعة من الثقات عن عمرو بن شعيب ، عن أبيه ، عن جده ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم .

22949 - وقال هشيم عن الزهري في حديثه ، عن علي بن حسين ، عن عمرو بن عثمان ، عن أسامة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم .

وقال الشافعي ، وأبو حنيفة ، وأصحابهما ، وأبو ثور ، وداود ، وهو قول الثوري ، وحماد : الكفار كلهم يتوارثون ، والكافر يرث الكافر على أي كفر كان ، لأن الكفر كله عندهم ملة واحدة .

22950 - واحتجوا بقول الله عز وجل : قل يا أيها الكافرون [ سورة الكافرون ] ثم قال : لكم دينكم ولي دين [ الكافرون : 6 ] فلم يقل أديانكم فدل على أن الكفر كله ملة ، والإسلام ملة ، ومن ذلك قوله - عز وجل - [ ص: 495 ] ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم [ البقرة : 120 ] ولم يقل مللهم فجعلهم على ملة واحدة .

22951 - قالوا : ويوضح لك ذلك قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " لا يتوارث أهل ملتين " وقوله : " لا يرث المسلم الكافر ، ولا الكافر المسلم " فجعلوا الكفر كله ملة واحدة والإسلام ملة .

22952 - وقال شريح القاضي ، ومحمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى ، وشريك بن عبد الله النخعي القاضي يجعلون الكفر ثلاث ملل : اليهود والسامرة ملة ، والنصارى والصابئون ملة ، والمجوس ومن لا دين له ملة ، والإسلام ملة ، على اختلاف عن شريك ، وابن أبي ليلى في ذلك أيضا; لأنهما قد روي عنهما مثل قول مالك أيضا في ذلك .

22953 - وأما تقدم إسلام علي - رضي الله عنه - في حياة أبيه ، وتأخر إسلام عقيل ، فمذكور خبرهما بذلك في كتاب الصحابة ، والحمد لله .

22954 - وأما الشعب ، فشعب بني هاشم معروف ، وإليه أخرجتهم قريش مع بني عبد المطلب بن عبد مناف حين تقاسموا عليهم في أن لا يبايعوا ولا يدخلوا في شيء من أمور دنياهم .

22955 - والشعب في " لسان العرب " ما انفرج بين جبلين ، ونحوهما ، ومن شعاب مكة أزقتها وأبطانها ; لأنها بين آطام ، وجبال ، وأودية .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث