الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


جزء التالي صفحة
السابق

النوع الثامن : اللعب بالنرد ، ونحوه

ففي " الجواهر " : اللعب بالنرد حرام ، وقاله الأئمة لقوله عليه السلام : " من لعب بالنردشير فكأنما غمس يده في لحم خنزير ، والشطرنج ، وما يضاهيها كالأربعة عشر ، ونحوها ، فالنص على كراهتها ، واختلف في حمله على التحريم ، وهو قول ( ح ) ، وأحمد ، أو إجزائه على ظاهره ، وهو قول ( ش ) ، قال مالك : وهي ألهى من النرد ، وأشر ; لأن النرد نصفه اتفاق ، وهو إلقاء الفصوص ، ونصفه فكر ، وهو نقل الأشخاص في البيوت ; والشطرنج فكر كله ، فكان ألهى ، وقيل : الإدمان عليه حرام ، وقيل : إن لعبت على وجه يقدح في المروءة كلعبها على الطريق مع الأوباش حرمت لمنافاة المروءة ، أو في الخلوة مع الأمثال من غير إدمان ، ولا في حال يلهي على العبادات ، والمهمات الدينية أبيحت ; لأن جماعة من السلف كانوا يلعبونها .

وفي " المقدمات " أما مع القمار فحرام اتفاقا ; لأنه من الميسر ، قال : والشطرنج مثل النرد ; لأنها تلهي ، وإدمانها يقدح في الشهادة ، والعدالة ; لأنه يؤدي إلى القمار والأيمان الكاذبة ، والاشتغال عن العبادة ، وفي " الموطأ " قال عليه السلام : " من لعب بالنرد فقد عصى الله ورسوله " ، قال الباجي : وما روي عن عبد الله بن مغفل ، والشعبي ، وعكرمة أنهم كانوا يلعبون بالنرد ، والشطرنج غير ثابت ، ولو ثبت حمل على أنه لم يبلغهم النهي ، وأغفلوا النظر ، وأخطئوا ، وروى سعيد بن المسيب ، وابن شهاب إجازة النرد ، وهو كما تقدم ، وكره مالك الجلوس مع اللاعب ; لأن الجلوس يذكر المشاركة ، وفي " القبس " : الشطرنج أخو النرد وما مسته يد تقي قط ، وسمعت بالمسجد الأقصى الإمام أبا الفضل المقدسي يقول : إنما يتعلم [ ص: 284 ] للحرب ، قال له الطرطوشي : بل تفسد الحرب ; لأن الحرب مقصوده أخذ الملك واغتياله ، وفي الشطرنج يقول له : شاه ، أتاك الملك ، نحه عن طريقي ، فضحك الحاضرون ، وتحريمها هو الأصح من قولي مالك .

قال صاحب " البيان " : لم ير مالك ترك السلام على لاعب الكعاب ، والشطرنج ، والنرد إلا أن يمر بهم يلعبون فيجب الإعراض عنهم ، وترك السلام أدبا لهم ، قال الطرطوشي : ( إن لم يعقل للنرد معنى فهو مساو للشطرنج ، وإن عقل فجميع ما يتخيل فيه من اللهو وغيره ) فهو أعظم في الشطرنج ، وقال أبو إسحاق الشيرازي : الشطرنج يقوي الفكر ، ويجبر الخاطر ، ويتعلم به القتال ، والكر ، والفر ، والهرب ، والطلب ، فهو يقوي الرأي ، والعقل بخلاف النرد ، وجوابه أنه ليس من قبيل العلوم التي محلها القلب ، بل من الصنائع التي محلها الجوارح كالكتابة ، والنجارة ، ولذلك أعلم الناس به تجدهم بلداء كما تجد البليد قد يكتب حسنا ، وينجر حسنا ، وأما احتياجه لمزيد الفكر فهو يقربه من اللهو أكثر من النرد ، وإنما يكون إتعاب النفس أفضل في الأمور المطلوبة للشرع ، ويدل على ذلك أنكم تكرهونه ، فلا يكون مطلوبا ، والمخاطرة عليه حرام ، مع أن الفكر حينئذ أشد ، فكان ينبغي أن يكون أقرب للإباحة ، ألا ترى أن المسابقة على الخيل لما كانت مطلوبة كان بذل المال فيها جائزا ، فهي بعيدة من مكايد الحروب ; لأن الحروب مبنية على اقتناص الملوك والوزراء ، وأن الفارس يكر ويفر ويقبل كيف أراد ، ويقتل القريب ، والبعيد ، والمقاتل ، وغيره ، والشطرنج يؤمر فيه بتهريب السلطان بقولهم : شاه ، حتى لا يقتل ، والفارس لا يقتل من يليه ، ولا من يقابله ، وإنما يأخذ على موازيه ، وكل قطعة منه لا تشبه صاحبتها في الكر ، والفر ، فلو ذهب متعلم الشطرنج دهرا إلى الحرب ، وقال ، وفعل ذلك ، وقال : هذا تعلمته من الشطرنج أفسد الحرب وضحك منه ، ولا يحصل الشطرنج إلا بمخالطة الأرذال ، وإغفال الصلوات ، وضياع الأموال .

[ ص: 285 ] قال مالك : أول ما وضع الشطرنج لامرأة ملكة قتل ابنها في الحرب ، فخافوا إخبارها بذلك ، فوضعوه ، ولعبوا به عندها حتى يقولوا : شاه مات ، أي الرئيس مات ; لأن شاه بالفارسية الرئيس ، فاستدلت بذلك على قتله .

( وما يروونه من أن أبا هريرة ، وسعيد بن المسيب ، وزين العابدين كانوا يلعبونها وأن سعيد بن جبير كان يلعبها غايبا ) فأحاديث لا أصل لها من أحاديث الكوفة ، وكان مالك يسميها دار الضرب ، وكيف وسعيد بن المسيب ، وغيره من أهل المدينة مقيمون بها ولم ينقل أهل المدينة عنهم ذلك ، فيقطع ببطلان ما قاله الكوفيون ، وهي لهو ولعب ، وقد ذم الله تعالى اللهو واللعب ، وحديث النرد متفق على صحته فيعتمد على الصحيح ، ويترك غيره ، والله أعلم .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث