الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

الآفة الثالثة عشرة : الوعد الكاذب :

فإن اللسان سباق إلى الوعد ، ثم النفس ربما لا تسمح بالوفاء ، فيصير الوعد خلفا ، وذلك من أمارات النفاق ، قال الله تعالى : ( ياأيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود ) [ المائدة : 1 ] وقال - صلى الله عليه وسلم - : " العدة عطية " وقد أثنى الله تعالى على نبيه إسماعيل عليه السلام في كتابه العزيز ، فقال : ( إنه كان صادق الوعد ) [ مريم : 54 ] . ولما حضرت " عبد الله بن عمر " الوفاة قال : " إنه كان خطب إلي ابنتي رجل من قريش ، وقد كان مني إليه شبه الوعد ، فوالله لا ألقى الله بثلث النفاق ، أشهدكم أني قد زوجته ابنتي " .

وعن " عبد الله بن أبي الخنساء " قال : " بايعت النبي - صلى الله عليه وسلم - قبيل أن يبعث ، وبقيت له بقية ، فواعدته أن آتيه بها في مكانه ذلك ، فنسيت يومي والغد ، فأتيته اليوم الثالث وهو في مكانه ، فقال : " يا فتى لقد شققت علي ، أنا هاهنا منذ ثلاث أنتظرك " .

وكان " ابن مسعود " لا يعد وعدا إلا ويقول : " إن شاء الله " ، وهو الأولى ، ثم إذا فهم مع ذلك الجزم في الوعد فلا بد من الوفاء إلا أن يتعذر ، فإن كان عند الوعد عازما على أن لا يفي فهذا هو النفاق ، قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : " ثلاث من كن فيه فهو منافق ، وإن صام وصلى وزعم أنه مسلم : إذا حدث كذب ، وإذا وعد أخلف ، وإذا اؤتمن خان " وقال - صلى الله عليه وسلم - : " أربع من كن فيه كان منافقا ، ومن كانت فيه خلة منهن كان فيه خلة من النفاق حتى يدعها : إذا حدث كذب ، وإذا وعد [ ص: 195 ] أخلف ، وإذا عاهد غدر ، وإذا خاصم فجر " .

وهذا ينزل على من إذا وعد وهو عزم الخلف أو ترك الوفاء من غير عذر ، فأما من عزم على الوفاء فعن له عذر منعه من الوفاء ، لم يكن منافقا ، وإن جرى عليه ما هو صورة النفاق ، ولكن ينبغي أن يحترز من صورة النفاق أيضا كما يحترز من حقيقته ، ولا ينبغي أن يجعل نفسه معذورا من غير ضرورة ، فقد روي أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان وعد " أبا الهيثم "خادما ، فأتي بثلاث من السبي ، فأعطى اثنين وبقي واحد ، فأتت فاطمة رضي الله عنها تطلب منه خادما وتقول : " ألا ترى أثر الرحى بيدي " ؟ فذكر موعده " لأبي الهيثم " فجعل يقول : " كيف بموعدي لأبي الهيثم " فآثره على " فاطمة " لما كان قد سبق من موعده له ، مع أنها كانت تدير الرحى بيدها الضعيفة . ولقد كان - صلى الله عليه وسلم - جالسا يقسم غنائم هوازن بحنين ، فوقف عليه رجل من الناس فقال : " إن لي عندك موعدا يا رسول الله " قال : " صدقت فاحتكم ما شئت " فقال : " أحتكم ثمانين ضائنة وراعيها " قال : " هي لك " وقال : " احتكمت يسيرا " .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث