الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

الآفة الرابعة عشرة الكذب في القول واليمين

الآفة الرابعة عشرة : الكذب في القول واليمين :

وهو من قبائح الذنوب وفواحش العيوب ، قال - صلى الله عليه وسلم - : " إياكم والكذب ؛ فإنه مع الفجور ، وهما في النار " . وعنه : " إن الكذب باب من أبواب النفاق " . وعنه : " كبرت خيانة أن تحدث أخاك حديثا هو لك به مصدق وأنت به كاذب " . ومر - صلى الله عليه وسلم - برجلين يتبايعان شاة ويتحالفان ، يقول أحدهما : " والله لا أنقصك من كذا وكذا " ، ويقول الآخر : " والله لا أزيدك على كذا وكذا " ، فمر بالشاة وقد اشتراها أحدهما فقال : " أوجب أحدهما بالإثم والكفارة " ، وعنه - صلى الله عليه وسلم قال : " ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا ينظر إليهم : المنان بعطيته ، والمنفق سلعته بالحلف الفاجر ، والمسبل إزاره " . وعنه - صلى الله عليه وسلم - : " من حلف على يمين بإثم ليقتطع بها مال امرئ مسلم بغير حق ، لقي الله عز وجل وهو عليه غضبان " . وقال عليه السلام لمعاذ : " أوصيك بتقوى الله ، وصدق الحديث ، وأداء الأمانة ، والوفاء بالعهد ، وبذل الطعام ، وخفض الجناح " .

بيان ما رخص فيه من الكذب :

اعلم أن الكذب إنما حرم لما فيه من الضرر على المخاطب أو على غيره ، وقد يتعلق به مصلحة ، فيكون مأذونا فيه ، وربما كان واجبا كما إذا كان في الصدق سفك دم امرئ قد اختفى [ ص: 196 ] من ظالم ، فالكذب فيه واجب ، وكما إذا كان لا يتم مقصود الحرب ، أو إصلاح ذات البين ، أو استمالة قلب المجني عليه ، أو تعاشر الزوجين إلا بكذب - فالكذب مباح ، إلا أنه يقتصر فيه على حد الضرورة ؛ لئلا يتجاوز إلى ما يستغنى عنه ، وفي معنى ذلك وردت أحاديث كثيرة ، قال " ثوبان " : " الكذب كله إثم ، إلا ما نفع به مسلما أو دفع عنه ضررا " .

بيان الحذر من الكذب بالمعاريض :

قد نقل عن السلف : " إن في المعاريض مندوحة عن الكذب " . وإنما أرادوا إذا اضطر الإنسان إلى الكذب ، فأما إذا لم تكن حاجة وضرورة فلا يجوز التعريض ولا التصريح جميعا ، ولكن التعريض أهون ، ومثال التعريض ما روي أن " مطرفا "دخل على " زياد " ، فاستبطأه ، فتعلل بمرض وقال : " ما رفعت جنبي مذ فارقت الأمير إلا ما رفعني الله " ، وكان " معاذ بن جبل " عاملا " لعمر " رضي الله عنه ، فلما رجع قالت له امرأته : " ما جئت به مما يأتي به العمال إلى أهلهم ؟ "- وما كان قد أتاها بشيء - فقال : " كان عندي ضاغط " قالت : " كنت أمينا عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأبي بكر ، فبعث " عمر " معك ضاغطا ؟! "وقامت بذلك بين نسائها ، واشتكت " عمر " ، فلما بلغه ذلك دعا " معاذا " وقال : "بعثت معك ضاغطا ؟ " قال : " ما أجد ما أعتذر به إليها إلا ذلك " فضحك " عمر " وأعطاه شيئا فقال : " أرضها به " . ومعنى قوله : ضاغطا : رقيبا ، وأراد به الله تعالى .

وكان " النخعي " إذا طلبه من يكره أن يخرج إليه وهو في الدار قال للجارية : " قولي له : اطلبه في المسجد ، ولا تقولي : ليس هاهنا ؛ كيلا يكون كذبا " .

ومما تباح به المعاريض قصد تطييب قلب الغير بالمزاح ، كقوله - صلى الله عليه وسلم - : " لا يدخل الجنة عجوز " ، وقوله للأخرى : " الذي في عينه بياض " ، وللأخرى : " نحملك على ولد البعير " - كما تقدم .

ومما يتسامح به ما جرت به العادة في المبالغة كقوله : قلت لك كذا مائة مرة ، فإنه لا يريد به تفهيم المرات بعددها ، بل تفهيم المبالغة ، إلا أنه إذا لم يكن قال ذلك إلا مرة واحدة كان كذبا .

وأما ما يعتاد التساهل به في الكذب مثل أن يقال : كل الطعام ، فيقول : لا أشتهيه ، فذلك منهي عنه ، وهو حرام إن لم يكن في غرض صحيح . ومثل ذلك أن يقول : " يعلم الله " فيما لا يعلمه .

[ ص: 197 ] وأما الكذب في حكاية المنام فالإثم فيه عظيم ، وفي الحديث : " إن من أعظم الفرية أن يدعي الرجل إلى غير أبيه ، أو يري عينيه في المنام ما لم ير ، أو يقول علي ما لم أقل " .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث