الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


[ الخلاف في بيع اللحم بالحيوان ]

فإن قيل : فهذا ينتقض عليكم ببيع اللحم بالحيوان ، فإنكم إن منعتموه نقضتم قولكم ، وإن جوزتموه خالفتم النص ، وإذا كان النص قد منع من بيع اللحم بالحيوان فهو دليل على المنع من بيع الخبز بالبر والزيت بالزيتون وكل ربوي بأصله .

قيل : الكلام في هذا الحديث في مقامين : أحدهما في صحته ، والثاني في معناه ; أما الأول فهو حديث لا يصح موصولا ، وإنما هو صحيح مرسلا ; فمن لم يحتج بالمرسل لم يرد عليه ، ومن رأى قبول المرسل مطلقا أو مراسيل سعيد بن المسيب فهو حجة عنده ، قال أبو عمر : لا أعلم حديث النهي عن بيع اللحم بالحيوان متصلا عن النبي صلى الله عليه وسلم من وجه ثابت ، وأحسن أسانيده مرسل سعيد بن المسيب كما ذكره مالك في موطئه ، وقد اختلف الفقهاء في القول بهذا الحديث والعمل به والمراد منه ; فكان مالك يقول : معنى الحديث تحريم التفاضل في الجنس الواحد حيوانه بلحمه ، وهو عنده من باب المزابنة والغرر والقمار ; لأنه لا يدري هل في الحيوان مثل اللحم الذي أعطى أو أقل أو أكثر ، وبيع اللحم باللحم لا يجوز متفاضلا ، فكان بيع الحيوان باللحم كبيع اللحم المغيب في جلده بلحم إذا كانا من جنس واحد ، قال : وإذا اختلف الجنسان فلا خلاف عن مالك وأصحابه أنه جائز حينئذ بيع اللحم بالحيوان . وأما أهل الكوفة كأبي حنيفة وأصحابه فلا يأخذون بهذا الحديث ، ويجوزون بيع اللحم بالحيوان مطلقا . وأما أحمد فيمنع بيعه بحيوان من جنسه ، ولا يمنع بيعه بغير جنسه ، وإن منعه بعض أصحابه ، وأما الشافعي فيمنع بيعه بجنسه وبغير جنسه ، وروى الشافعي عن ابن عباس أن جزورا نحرت على عهد أبي بكر الصديق ، [ ص: 112 ] فقسمت على عشرة أجزاء ، فقال رجل : أعطوني جزءا منها بشاة ، فقال أبو بكر : لا يصلح هذا . قال الشافعي : ولست أعلم لأبي بكر في ذلك مخالفا من الصحابة .

والصواب في هذا الحديث - إن ثبت - أن المراد به إذا كان الحيوان مقصودا للحم كشاة يقصد لحمها فتباع بلحم ; فيكون قد باع لحما بلحم أكثر منه من جنس واحد ، واللحم قوت موزون فيدخله ربا الفضل . وأما إذا كان الحيوان غير مقصود به اللحم كما إذا كان غير مأكول أو مأكولا لا يقصد لحمه كالفرس تباع بلحم إبل فهذا لا يحرم بيعه به ، بقي إذا كان الحيوان مأكولا لا يقصد لحمه وهو من غير جنس اللحم فهذا يشبه المزابنة بين الجنسين كبيع صبرة تمر بصبرة زبيب ، وأكثر الفقهاء لا يمنعون من ذلك ، إذ غايته التفاضل بين الجنسين ، والتفاضل المتحقق جائز بينهما فكيف بالمظنون ؟ وأحمد في إحدى الروايتين عنه يمنع ذلك ، لا لأجل التفاضل ، ولكن لأجل المزابنة وشبه القمار ، وعلى هذا فيمتنع بيع اللحم بحيوان من غير جنسه ، والله أعلم . .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث