الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                          صفحة جزء
                                                                                                                                                                                          [ ص: 48 ] مسألة : فإن طلقت التي لم تحض قط ثم حاضت قبل تمام العدة ، سواء إثر طلاقها أو في آخر الشهر فما بين ذلك : تمادت على العدة بالشهور ، فإذا أتمتها حلت ولم تلتفت إلى الحيض .

                                                                                                                                                                                          وكذلك لو حملت منه أو من غيره إثر طلاقها ، أو قبل انقضاء الثلاثة الأشهر [ فلو مات هو قبل انقضاء الثلاثة الأشهر ] ابتدأت عدة الوفاة كاملة .

                                                                                                                                                                                          برهان ذلك - : قول الله عز وجل : { واللائي يئسن من المحيض من نسائكم إن ارتبتم فعدتهن ثلاثة أشهر واللائي لم يحضن } فإنما أوجب الله عز وجل عليها عدة ثلاثة أشهر إثر وجوب العدة عليها من الطلاق ، فلا يبطل ما أوجبه الله تعالى عليها بدعوى لم يأت بها قط نص .

                                                                                                                                                                                          فإن قيل : فالله تعالى قد أوجب الأقراء بقوله تعالى : { والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء } وقال تعالى أيضا : { وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن } وهذه زوجة مطلقة ؟ قلنا : إنما أوجب الله تعالى ما ذكرتم على ذوات الأقراء ، وعلى ذوات الحمل ، وهذه إذ لزمتها عدة هذا الطلاق إنما كانت بيقين من اللائي يئسن ، أو من اللائي لم يحضن ، ولم تكن أصلا من ذوات الأقراء ، ولا من ذوات الحمل .

                                                                                                                                                                                          [ ص: 49 ] ومن الباطل المتيقن ، والمحال الممتنع : أن يلزم الله تعالى العدة بالأقراء من لا قرء لها حين وجوب العدة عليها ، أو يلزم العدة بالحمل من ليست ذات حمل حين وجوب العدة عليها .

                                                                                                                                                                                          كما أن من الباطل أن يحول بين وقت وجوب العدة من الطلاق ، أو الموت ، وبين العدة وقت ليس من العدة ; لقوله عليه الصلاة والسلام : { فطلقوهن لقبل عدتهن } وقد ذكرناه قبل هذا بإسناده إلا أن يأتي بذلك نص جلي فيوقف عنده .

                                                                                                                                                                                          وأيضا - فإن القرء إنما هو ما بين الحيضتين من الطهر ، فحالها قبل أن تحيض وبعد اليأس من المحيض ليس قرءا - فبطل أن تعتد بالأقراء من لم تطلق في استقبال قرء هي فيه ، وهي وإن كان ولدها منه لاحقا به ; لأنها زوجته بعد ؟ فقد قلنا : إن وطأه لها ليس رجعة ، ولا طلاقا فتبتدئ العدة منه .

                                                                                                                                                                                          وقد ادعى قوم الإجماع هاهنا - وهذا باطل ; لأنهم لا يقدرون على إيراد كلمة في ذلك عن أحد الصحابة - رضي الله عنهم - إنما جاءت في ذلك آثار عن ثمانية من التابعين فقط - : وهم : عطاء ، ومجاهد ، وسعيد بن المسيب والزهري ، والحسن ، وقتادة ، والنخعي ، والشعبي - ومثل هذا لا يعده إجماعا إلا من استجاز الكذب على الأمة .

                                                                                                                                                                                          قال أبو محمد : ثم استدركنا النظر في قول الله تعالى : { يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء } [ ص: 50 ] وقوله تعالى : { واللائي يئسن من المحيض من نسائكم إن ارتبتم فعدتهن ثلاثة أشهر واللائي لم يحضن } .

                                                                                                                                                                                          فوجدنا المعتدة إذا حاضت في العدة فليست من اللائي يئسن من المحيض ولا من اللائي لم يحضن بلا شك ، بل هي من اللائي حضن ، فوجب ضرورة أن عدتها ثلاثة قروء - ومن الباطل أن تكون من اللائي يحضن ، وتكون عدتها الشهور .

                                                                                                                                                                                          فصح أن حكم الاعتداد بالشهور قد بطل ، وإن كان بعض العدة .

                                                                                                                                                                                          وصح أنها تنتقل إلى الأقراء ، أو إلى وضع الحمل إن حملت .

                                                                                                                                                                                          وأما انتقالها إلى عدة الوفاة إن كان الطلاق رجعيا فقط ، وإلا فلا ; فلأنها زوجة ترثه ويرثها ، فهي متوفى عنها فيلزمها بالوفاة عدة الوفاة - وبالله تعالى التوفيق .

                                                                                                                                                                                          التالي السابق


                                                                                                                                                                                          الخدمات العلمية