الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

المقدمـة

إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنـا وسيئـات أعمـالنـا، مـن يهد الله فلا مضل له، ومن يضـلل فلا هـادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله.

أما بعـد :

فالإسلام منهج حياة متكامل، تناول كل جوانب الحياة، ونظم العلاقات الإنسانية كلها، ووضع لها أحكاما وقواعد على مقتضى الحق والعدل.

فلم يقتصر على بيان علاقة الأفراد بخالقهم، والتي هـي أساس كل علاقة، بل اتسع ليستوعب شئون العلاقات الاجتماعية بين المسلمين بعضهم مع بعض، وبين المسلمين ومخالفيهم، على نحو لم تعرف البشرية شبيها ولا مثيلا له.

ولم يكتف كذلك بالتنظير، بل ربط بين المعرفة والعمل برباط متين في كثير من النصوص، وطلب من أتباعه أن يكيفوا سلوكهم وفق [ ص: 39 ] قواعده وتعاليمه، وأن يحكموا الرباط بين الفكر والمسلك كارتباط القاعدة بالبناء، ليكونوا -بحق- خير أمة هـادية للحقيقة التي ضل عنها كثير من الناس.

والإسلام هـو الدين المهيمن على الدين كله، ومعتنقوه شهداء على الناس.. ولكي يصدق على المسلم وصف الشاهد، لابد أن يكون على مستوى إسلامه، منهجا وفكرا وتصورا وسلوكا.

وهذا المستوى الرفيع لا يتحقق إلا بالعبودية لله، وبالاستقامة على طريقة الشرع، وعندئذ يصبح داعية بسلوكه في بيئته، وسفيرا للإسلام في مجتمعه، وكم من مجتمع أسلم أهله لما رأوه ولمسوه من مكارم أخلاق الدعاة، ومواقفهم الطيبة مع الآخرين، وبرهم بهم، وقسطهم إليهم، فلم يملكوا إلا أن أخضعوا عقولهم ومداركهم لما يحمله هـؤلاء من عقيدة وفكر. وبهذا يتحقق المقصد الأسمى من خلق الناس، وإرسال الرسل، وإنزال الكتب.

ولما كان سبحانه وتعالى وعد بإظهار دينه، وإدخاله كل بيت، بعز عزيز أو بذل ذليل، كان طبيعيا أن يوجـد مسلمـون في ديـار غيرهـم، إما بحكم النشأة، أو الهجرة. [ ص: 40 ]

وهؤلاء المسلمون في الغالب أحد رجلين :

إما متشدد يعتزل أهل الملل الأخرى، ويعاملهم بغلظة، بل قد وصل الأمر إلى حد استباحة أموالهم.

وإما متساهل مع المخالفين إلى حد التوادد والرضا، بل والذوبان التام، وفقدان الشخصية الدينية.

ومن هـنا جاءت هـذه الدراسة، إسهاما في جهود ترشيد الصحوة، ليستعيد المسلم دوره في الريادة، ولتكون شعلة تضيء الطريق، وتجعل المسلم على هـدى ونور، معتمدا فيها على نصوص الكتاب، وما صح من السنة، وإجماع الأمة، مسترشدا بأقوال الصحابة، والتابعين، وأئمة المذاهب وغيرهم، مبتعدا عن التعصب والتقليد لإمام بعينه، سائرا مع الدليل حيث سار؛ لأن الله تعبدنا به دون سواه.

جاءت هـذه الدراسة على فصلين، كل فصل حوى عدة مباحث، ومطالب، ومسائل، وفروع منتقاة، مما يتطلع المسلمون في ديار غير المسلمين إلى معرفته، لتصحيح سلوكهم مع مخالفيهم، وضبط تعاملهم مع غيرهم، بحكم الخلطة والجوار، على أساس قويم. ولا يفوتني أن أنبه إلى أن هـذه الأحكام إنما اختيرت من رسالة [ ص: 41 ] ضخمة (حوالي 700 صفحة) ، حوت الأحكام التي يفتقر إلى معرفتها المسلم في ديار المخالفين، في شتى مجالات الحياة، على وجه التفصيل.

وهي في الأصل رسالة علمية نلت بها درجة الماجستير من (كلية الإمام الأوزاعي للدراسات الإسلامية) في بيروت ، في ربيع الأول من سنة 1415هـ، بعنوان : (الأحكام الشرعية لمسلمي البلاد غير الإسلامية) ، وهي قيد الطبع والنشر إن شاء الله.

وما تم اختياره هـنا من أحكام إنما كان ثمرة مناقشات ومحاورات مع عدد كبير من المختصين، الذين سبق أن أقاموا في ديار غير المسلمين لفترة طويلة.

والله ولي التوفيق.

خالد محمد عبد القادر
[ ص: 42 ]

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث