الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


60 - الحديث الرابع : عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال { إذا استأذنت أحدكم امرأته إلى المسجد فلا يمنعها . قال : فقال بلال بن عبد الله : والله لنمنعهن . قال : فأقبل عليه عبد الله ، فسبه سبا سيئا ، ما سمعته سبه مثله قط ، وقال : أخبرك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وتقول : والله لنمنعهن ؟ } وفي لفظ { لا تمنعوا إماء الله مساجد الله } .

[ ص: 199 ]

التالي السابق


[ ص: 199 ] الحديث صريح في النهي عن المنع للنساء عن المساجد عند الاستئذان وقوله في الرواية الأخرى { لا تمنعوا إماء الله } يشعر أيضا بطلبهن للخروج فإن المانع إنما يكون بعد وجود المقتضى . ويلزم من النهي عن منعهن من الخروج إباحته لهن ; لأنه لو كان ممتنعا لم ينه الرجال عن منعهن منه . والحديث عام في النساء ، ولكن الفقهاء قد خصوه بشروط وحالات : منها : أن لا يتطيبن . وهذا الشرط مذكور في الحديث . ففي بعض الروايات { وليخرجن تفلات } وفي بعضها { إذا شهدت إحداكن المسجد فلا تمس طيبا } وفي بعضها { إذا شهدت إحداكن العشاء فلا تطيب تلك الليلة } فألحق بالطيب ما في معناه . فإن الطيب إنما منع منه لما فيه من تحريك داعية الرجال وشهوتهم . وربما يكون سببا لتحريك شهوة المرأة أيضا . فما أوجب هذا المعنى التحق به . وقد صح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال { أيما امرأة أصابت بخورا فلا تشهد معنا العشاء الآخرة } ويلحق به أيضا : حسن الملابس ، ولبس الحلي الذي يظهر أثره في الزينة . وحمل بعضهم قول عائشة رضي الله عنها في الصحيح " لو أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى ما أحدث النساء بعده : لمنعهن المساجد ، كما منعت نساء بني إسرائيل " على هذا ، تعني إحداث حسن الملابس والطيب والزينة . ومما خص به بعضهم هذا الحديث : أن منع الخروج إلى المسجد للمرأة الجميلة المشهورة . ومما ذكره بعضهم مما يقتضي التخصيص : أن يكون بالليل . وقد ورد في كتاب مسلم ما يشعر بهذا المعنى . ففي بعض طرقه { لا تمنعوا النساء من الخروج إلى المساجد بالليل } فالتقييد بالليل قد يشعر بما قال . ومما قيل أيضا في تخصيص هذا الحديث : أن لا يزاحمن الرجال . وبالجملة : فمدار هذا كله النظر إلى المعنى . فما اقتضاه المعنى من المنع جعل خارجا عن الحديث . وخص العموم به . وفي هذا زيادة . وهو أن النص وقع على بعض ما اقتضاه التخصيص ، وهو عدم الطيب . [ ص: 200 ] وقيل : إن في الحديث دليلا على أن للرجل أن يمنع امرأته من الخروج إلا بإذنه . وهذا إن أخذ من تخصيص النهي بالخروج إلى المساجد ، وأن ذلك يقتضي بطريق المفهوم جواز المنع في غير المساجد ، فقد يعترض عليه : بأن هذا تخصيص الحكم باللقب . ومفهوم اللقب ضعيف عند أهل الأصول .

ويمكن أن يقال في هذا : إن منع الرجال للنساء من الخروج مشهور معتاد . وقد قرروا عليه . وإنما علق الحكم بالمساجد لبيان محل الجواز ، وإخراجه عن المنع المستمر المعلوم . فيبقى ما عداه على المنع . وعلى هذا : فلا يكون منع الرجل لخروج امرأته لغير المسجد مأخوذا من تقييد الحكم بالمسجد فقط . ويمكن أن يقال فيه وجه آخر : وهو أن في قوله صلى الله عليه وسلم { لا تمنعوا إماء الله مساجد الله } مناسبة تقتضي الإباحة . أعني كونهن " إماء الله " بالنسبة إلى خروجهن إلى مساجد الله . ولهذا كان التعبير بإماء الله أوقع في النفس من التعبير بالنساء لو قيل . وإذا كان مناسبا أمكن أن يكون علة للجواز ، وإذا انتفى انتفى الحكم ; لأن الحكم يزول بزوال علته . والمراد بالانتفاء ها هاهنا : انتفاء الخروج إلى المساجد ، أي للصلاة . وأخذ من إنكار عبد الله بن عمر على ولده وسبه إياه : تأديب المعترض على السنن برأيه . العامل بهواه ، وتأديب الرجل ولده ، وإن كان كبيرا في تغيير المنكر ، وتأديب العالم من يتعلم عنده إذا تكلم بما لا ينبغي .

وقوله " فقال بلال بن عبد الله " هذه رواية ابن شهاب عن سالم بن عبد الله . وفي رواية ورقاء بن عمر عن مجاهد عن ابن عمر فقال ابن له يقال له : واقد " ولعبد الله بن عمر أبناء . منهم بلال . ومنهم واقد .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث