الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

تفسير قوله تعالى قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

[ ص: 475 ] قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ولما يدخل الإيمان في قلوبكم وإن تطيعوا الله ورسوله لا يلتكم من أعمالكم شيئا إن الله غفور رحيم إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله أولئك هم الصادقون قل أتعلمون الله بدينكم والله يعلم ما في السماوات وما في الأرض والله بكل شيء عليم يمنون عليك أن أسلموا قل لا تمنوا علي إسلامكم بل الله يمن عليكم أن هداكم للإيمان إن كنتم صادقين إن الله يعلم غيب السماوات والأرض والله بصير بما تعملون .

قوله تعالى: قالت الأعراب آمنا قال مجاهد: نزلت في أعراب بني أسد بن خزيمة . ووصف غيره حالهم، فقال: قدموا المدينة في سنة مجدبة، فأظهروا [ ص: 476 ] الإسلام ولم يكونوا مؤمنين، وأفسدوا طرق المدينة بالعذرات، وأغلوا أسعارهم، وكانوا يمنون على رسول الله صلى الله عليه وسلم فيقولون: أتيناك بالأثقال والعيال، ولم نقاتلك، فنزلت فيهم هذه الآية . وقال السدي: نزلت في أعراب مزينة وجهينة وأسلم وأشجع وغفار [وهم الذين ذكرهم الله تعالى في سورة [الفتح] وكانوا يقولون: آمنا بالله، ليأمنوا على أنفسهم]، فلما استنفروا إلى الحديبية تخلفوا، فنزلت فيهم هذه الآية . وقال مقاتل: كانت منازلهم بين مكة والمدينة، فكانوا إذا مرت بهم سرية من سرايا رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا: آمنا، ليأمنوا على دمائهم وأموالهم، فلما سار رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الحديبية استنفرهم فلم ينفروا معه .

قوله تعالى: قل لم تؤمنوا أي: لم تصدقوا ولكن قولوا أسلمنا قال ابن قتيبة : أي: استسلمنا من خوف السيف، وانقدنا . قال الزجاج : الإسلام: إظهار الخضوع والقبول لما أتى به رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبذلك يحقن الدم، فإن كان معه اعتقاد وتصديق بالقلب، فذلك الإيمان، فأخرج الله هؤلاء من الإيمان بقوله: ولما يدخل الإيمان في قلوبكم أي: لم تصدقوا، إنما أسلمتم تعوذا من القتل . وقال مقاتل: "ولما" بمعنى "ولم" يدخل التصديق في قلوبكم .

[ ص: 477 ] قوله تعالى: وإن تطيعوا الله ورسوله قال ابن عباس: إن تخلصوا الإيمان لا يلتكم قرأ أبو عمرو: "يألتكم" بألف وهمز; وروي عنه بألف ساكنة مع ترك الهمزة: وقرأ الباقون: "يلتكم" بغير ألف ولا همز . فقراءة أبي عمرو من ألت يألت، وقراءة الباقين من لات يليت، قال الفراء: وهما لغتان، قال الزجاج : معناهما واحد . والمعنى: لا ينقصكم . وقال أبو عبيدة: فيها ثلاث لغات: ألت يألت، تقديرها: أفك يأفك، وألات يليت، تقديرها: أقال يقيل، ولات يليت، قال رؤبة:


وليلة ذات ندى سريت ولم يلتني عن سراها ليت



قوله تعالى: من أعمالكم أي: من ثوابها . ثم نعت الصادقين في إيمانهم بالآية التي تلي هذه . ومعنى: يرتابوا يشكوا . وإنما ذكر الجهاد، لأن الجهاد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم كان فرضا في ذلك الوقت، أولئك هم الصادقون [في إيمانهم فلما نزلت هاتان الآيتان أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم يحلفون أنهم مؤمنون صادقون] فنزلت [هذه الآية] .

قوله تعالى: قل أتعلمون الله بدينكم و "علم" بمعنى "أعلم"، ولذلك دخلت الباء في قوله: "بدينكم" والمعنى: أتخبرون [الله] بالدين الذي أنتم عليه؟!، [ ص: 478 ] أي: هو عالم بذلك لا يحتاج إلى إخباركم; وفيهم نزل قوله تعالى: يمنون عليك أن أسلموا قالوا: أسلمنا ولم نقاتلك [والله أعلم] .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث