الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                          صفحة جزء
                                                                                                                                                                                          2000 - مسألة : وتعتد المتوفى عنها ، والمطلقة ثلاثا ، أو آخر ثلاث والمعتقة تختار فراق زوجها - : حيث أحببن .

                                                                                                                                                                                          [ ص: 74 ] ولا سكنى لهن ، لا على المطلق ، ولا على ورثة الميت ، ولا على الذي اختارت فراقه ، ولا نفقة .

                                                                                                                                                                                          ولهن أن يحججن في عدتهن ، وأن يرحلن حيث شئن .

                                                                                                                                                                                          وأما كل مطلقة للذي طلقها عليها الرجعة - ما دامت في العدة - فلا يحل لها الخروج من بيتها الذي كانت فيه إذ طلقها ، ولها عليه النفقة والكسوة فإن كان خوف شديد ، أو لزمها حد فلها أن تخرج حينئذ ، وإلا فلا أصلا - لا ليلا ولا نهارا - ألبتة إلا لضرورة لا حيلة فيها .

                                                                                                                                                                                          برهان ذلك - : قول الله عز وجل : { يا أيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن وأحصوا العدة واتقوا الله ربكم لا تخرجوهن من بيوتهن ولا يخرجن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة وتلك حدود الله ومن يتعد حدود الله فقد ظلم نفسه لا تدري لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا فإذا بلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف أو فارقوهن بمعروف } .

                                                                                                                                                                                          فهذه صفة الطلاق الرجعي لا صفة الطلاق البات .

                                                                                                                                                                                          وأما الطلاق البات - : فكما روينا من طريق مسلم أنا محمد بن المثنى أنا عبد الرحمن بن مهدي أنا سفيان الثوري عن سلمة بن كهيل عن الشعبي عن فاطمة بنت قيس { عن النبي صلى الله عليه وسلم في المطلقة ثلاثا ليس لها سكنى ولا نفقة } .

                                                                                                                                                                                          أنا حمام بن أحمد أنا عباس بن أصبغ أنا محمد بن عبد الملك بن أيمن أنا عبد الله بن أحمد بن حنبل أنا أبي أنا هشيم أنا سيار ، وحصين - هو ابن عبد الرحمن - والمغيرة - هو ابن مقسم - وإسماعيل بن أبي خالد ، وداود بن أبي هند كلهم عن الشعبي قال : دخلت على فاطمة بنت قيس فسألتها عن قضاء رسول الله صلى الله عليه وسلم عليها ؟ فقالت : { طلقها زوجها ألبتة ، قالت : فخاصمته إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في السكنى والنفقة ؟ فلم يجعل لي سكنى ولا نفقة ، وأمرني أن أعتد في بيت ابن أم مكتوم } .

                                                                                                                                                                                          [ ص: 75 ] ومن طريق مسلم أنا قتيبة بن سعد أنا عبد العزيز بن أبي حازم ويعقوب - هو ابن عبد الرحمن - القاري كلاهما عن أبي حازم عن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف عن فاطمة بنت قيس أنه { طلقها زوجها قالت : فذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : لا نفقة لك ولا سكنى }

                                                                                                                                                                                          ومن طريق مسلم أنا أبو بكر بن أبي شيبة أنا وكيع أنا سفيان الثوري عن أبي بكر بن أبي الجهم العدوي قال : " سمعت { فاطمة بنت قيس تقول إن زوجها طلقها ثلاثا فلم يجعل لها النبي صلى الله عليه وسلم سكنى ولا نفقة } .

                                                                                                                                                                                          ومن طريق مسلم حدثني ابن حاتم بن ميمون ، ومحمد بن رافع وهارون بن عبد الله - واللفظ له - قال ابن حاتم أنا يحيى بن سعيد القطان وقال ابن رافع : أنا عبد الرزاق ، وقال هارون : أنا حجاج بن محمد - ثم اتفق يحيى ، وعبد الرزاق ، وحجاج ، كلهم عن ابن جريج أخبرني أبو الزبير المكي { أنه سمع جابر بن عبد الله يقول : طلقت خالتي فأرادت أن تجذ نخلها فزجرها رجل أن تخرج ، فأتت النبي صلى الله عليه وسلم فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم بل اذهبي فجدي نخلك ، فإنك عسى أن تصدقي أو تفعلي معروفا } .

                                                                                                                                                                                          ومن طريق أبي داود السجستاني أنا أحمد بن حنبل أنا يحيى هو ابن سعيد القطان عن ابن جريج حدثني أبو الزبير عن جابر بن عبد الله قال { طلقت خالتي ثلاثا فخرجت تجذ نخلها فنهاها رجل ؟ فأتت النبي صلى الله عليه وسلم فذكرت ذلك له ؟ فقال : اخرجي فجدي نخلك ، فعسى أن تصدقي منه ، أو تفعلي خيرا } .

                                                                                                                                                                                          قال أبو محمد : أما خبر فاطمة فمنقول نقل الكافة قاطع للعذر .

                                                                                                                                                                                          وأما خبر جابر ففي غاية الصحة ، وقد سمعه منه أبو الزبير ، ولم يخص لها أن لا تبيت هنالك من أن تبيت : { وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى } ، { وما كان ربك نسيا } .

                                                                                                                                                                                          [ ص: 76 ] ولا يسع أحدا الخروج عن هذين الأثرين لبيانهما وصحتهما .

                                                                                                                                                                                          ولم يصح في وجوب السكنى للمتوفى عنها أثر أصلا .

                                                                                                                                                                                          والمنزل لا يخلو من أن يكون ملكا للميت أو ملكا لغيره - : فإن كان ملكا لغيره - وهو مكترى أو مباح - فقد بطل العقد بموته ، فلا يحل لأحد سكناه إلا بإذن صاحبه وطيب نفسه ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم { إن دماءكم وأموالكم عليكم حرام } .

                                                                                                                                                                                          وإن كان ملكا للميت ، فقد صار للغرماء أو للورثة أو للوصية ، فلا يحل لها مال الغرماء ، والورثة ، والموصى لهم لما ذكرنا ، وإنما لها منه مقدار ميراثها إن كانت وارثة فقط ، وهذا برهان قاطع لائح وما عدا هذا فظلم لا خفاء به ، وهذا مكان كثر فيه اختلاف الناس - : فطائفة قالت بقولنا - : كما روينا من طريق عبد الرزاق عن ابن جريج عن عطاء أن ابن عباس قال : تعتد المبتوتة حيث شاءت .

                                                                                                                                                                                          - قال ابن جريج : وأخبرني أبو الزبير أنه سمع جابر بن عبد الله يقول : تعتد المبتوتة حيث شاءت .

                                                                                                                                                                                          ومن طريق عبد الرزاق قال : أنا معمر عن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود : أن فاطمة بنت قيس قالت : قال الله عز وجل : { لا تخرجوهن من بيوتهن } قالت : هذا كان لمن كانت له رجعة ، فأي أمر يحدث بعد الثلاث - قال لنا عبيد الله بن عبد الله : فطلق عبد الله بن عمرو بن عثمان - وهو غلام شاب - بنت سعيد بن زيد بن عمرو في إمارة مروان ، وأمها بنت قيس ، فانتقلتها خالتها فاطمة بنت قيس .

                                                                                                                                                                                          ومن طريق ابن أبي شيبة أنا الثقفي - هو عبد الوهاب بن عبد المجيد - عن عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر قال : إن الربيع اختلعت من زوجها ، فأتى معوذ - هو ابن عفراء - عثمان بن عفان فسأله أتنتقل ؟ قال : نعم تنتقل .

                                                                                                                                                                                          قال أبو محمد : إنما أوردنا هذا ; لأن المختلعة عندهم طلاقها بائن وعليها العدة [ ص: 77 ] وأما نحن فهي عندنا مطلقة طلاقا رجعيا لا تخرج فيه من موضعها الذي طلقها فيه حتى تتم عدتها - فهؤلاء من الصحابة رضي الله عنهم .

                                                                                                                                                                                          وأما التابعون - فروينا من طريق سعيد بن منصور أنا هشيم أنا يونس - هو ابن عبيد - عن الحسن البصري أنه كان يقول : المطلقة ثلاثا ، والمتوفى عنها لا سكنى لهما ، ولا نفقة ، وتعتدان حيث شاءتا .

                                                                                                                                                                                          ومن طريق عبد الرزاق عن محمد بن مسلم عن عمرو بن دينار عن طاوس ، وعطاء ، قالا جميعا : المبتوتة ، والمتوفى عنها يحجان ، ويعتمران ، وينتقلان ، ويبينان .

                                                                                                                                                                                          [ ص: 78 ] ومن طريق عبد الرزاق [ عن محمد بن مسلم عن عمرو بن دينار عن طاوس ] وسفيان الثوري عن يونس بن عبيد عن الحسن أنه قال : تحج المبتوتة في عدتها .

                                                                                                                                                                                          ومن طريق حماد بن زيد عن أيوب السختياني عن عكرمة أنه قال : في المطلقة ثلاثا لها أن تنتقل ، قال الله عز وجل : { لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا } فأي أمر بعد الثلاث ، إنما جاء ذلك في الواحدة والاثنتين .

                                                                                                                                                                                          أنا حمام أنا عباس بن أصبغ أنا محمد بن عبد الملك بن أيمن أنا عبد الله بن أحمد بن حنبل أنا أبي ، قال الشعبي : المطلقة ثلاثا لا سكنى لها ولا نفقة ، قال أحمد : وبه أقول .

                                                                                                                                                                                          قال أبو محمد : وبه يقول إسحاق بن راهويه وأبو سليمان ، وجميع أصحابنا .

                                                                                                                                                                                          وأما المتوفى عنها - فروينا من طريق حماد بن سلمة أنا قيس - هو ابن عباد - عن عطاء بن أبي رباح عن عائشة - أم المؤمنين - أنها حجت بأختها أم كلثوم امرأة طلحة بن عبيد الله في عدتها في الفتنة .

                                                                                                                                                                                          ومن طريق عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عن عروة بن الزبير عن عائشة - أم المؤمنين - أنها كانت تفتي المتوفى عنها زوجها بالخروج في عدتها ، وخرجت بأختها أم كلثوم حين قتل عنها طلحة بن عبيد الله بن عبد الله إلى مكة في عمرة .

                                                                                                                                                                                          ومن طريق عبد الرزاق أنا ابن جريج أخبرني عطاء عن ابن عباس أنه قال : إنما قال الله عز وجل تعتد : { أربعة أشهر وعشرا } ولم يقل : تعتد في بيتها ، فلتعتد حيث شاءت .

                                                                                                                                                                                          ومن طريق إسماعيل بن إسحاق القاضي أنا علي بن عبد الله - هو ابن المديني - أنا [ ص: 79 ] سفيان بن عيينة عن ابن جريج عن عطاء قال : سمعت ابن عباس يقول : { والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا } ولم يقل يعتددن في بيوتهن ، تعتد حيث شاءت ، وقال سفيان : قاله لنا ابن جريج كما أخبرنا - هذا يبين أن عطاء سمعه من ابن عباس .

                                                                                                                                                                                          ومن طريق عبد الرزاق أنا ابن جريج أخبرني أبو الزبير أنه سمع جابر بن عبد الله يقول : تعتد المتوفى عنها حيث شاءت .

                                                                                                                                                                                          ومن طريق عبد الرزاق أنا سفيان الثوري عن إسماعيل بن أبي خالد عن الشعبي : أن علي بن أبي طالب كان يرحل المتوفى عنهن في عدتهن .

                                                                                                                                                                                          ومن طريق عبد الرزاق عن ابن جريج عن عطاء قال : لا يضر المتوفى عنها أين اعتدت ، وقد ذكرناه قبل هذا الباب عن الحسن .

                                                                                                                                                                                          ومن طريق إسماعيل بن إسحاق أنا علي بن عبد الله - هو المديني - أنا سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار عن عطاء ، وأبي الشعثاء جابر بن زيد ، قالا جميعا : المتوفى عنها تخرج في عدتها حيث شاءت .

                                                                                                                                                                                          ومن طريق إسماعيل بن إسحاق أنا أبو بكر بن أبي شيبة أنا عبد الوهاب الثقفي عن حبيب المعلم قال : سألت عطاء عن المطلقة ثلاثا والمتوفى عنها أيحجان في عدتهما ؟ قال : نعم ، وكان الحسن يقول مثل ذلك .

                                                                                                                                                                                          ومن طريق إسماعيل بن إسحاق أنا أبو ثابت المدني أنا ابن وهب أنا عمرو بن الحارث عن بكير بن الأشج قال : سألنا سالم بن عبد الله بن عمر عن المرأة يخرج بها زوجها إلى بلد فيتوفى الزوج ؟ فقال : تعتد حيث توفي عنها زوجها ، أو ترجع إلى بيت زوجها حتى تنقضي عدتها .

                                                                                                                                                                                          - قال ابن وهب : وأخبرني ابن لهيعة عن يزيد بن أبي حبيب عن القاسم بن محمد بهذا .

                                                                                                                                                                                          قال ابن وهب : وأخبرني ابن لهيعة عن حسين بن أبي حكيم أن امرأة مزاحم لما توفي عنها زوجها بخناصرة سألت عمر بن عبد العزيز أأمكث حتى تنقضي عدتي ؟ فقال لها : بل الحقي بقرارك ودار أبيك فاعتدي فيها .

                                                                                                                                                                                          [ ص: 80 ] وبه يقول ابن وهب - أنا يحيى بن أيوب عن يحيى بن سعيد الأنصاري أنه قال في رجل توفي بالإسكندرية ومعه امرأته وله بالفسطاط دار فقال : إن أحبت أن تعتد حيث توفي زوجها فلتعتد ، وإن أحبت أن ترجع إلى دار زوجها وقراره بالفسطاط فتعتد فيها فلترجع .

                                                                                                                                                                                          وبه يقول أبو سليمان ، وجميع أصحابنا .

                                                                                                                                                                                          التالي السابق


                                                                                                                                                                                          الخدمات العلمية