الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

ص ( فصل هل إزالة النجاسة عن ثوب مصل ، ولو طرف عمامته وبدنه ومكانه لا طرف حصيره [ ص: 131 ] سنة ، أو واجبة إن ذكر وقدر وإلا أعاد الظهرين للاصفرار خلاف )

ش لما ذكر في الفصل السابق الأشياء الطاهرة والأشياء النجسة أتبع ذلك في هذا الفصل ببيان حكم إزالة النجاسة وبيان ما يعفى عنه من النجاسات وبيان كيفية إزالة النجاسة فبدأ ببيان حكم النجاسة وقوله إزالة مبتدأ خبره سنة وقوله ، أو واجبة معطوف عليه وقال البساطي : إنه خبر عن مبتدأ محذوف يدل عليه المبتدأ الذي قبله أعني إزالة .

والظاهر أنه لا يحتاج إلى هذا بل هو مبتدأ أخبر عنه بأحد خبرين . وهل استفهام عن تعيين أحدهما وقوله خلاف هو المعين لذلك وهو مبتدأ حذف خبره تقديره في ذلك خلاف ، والمعنى أنه اختلف في حكم إزالة النجاسة عن ثوب المصلي وبدنه ومكانه على قولين مشهورين : فقيل : إن إزالتها عن ذلك سنة من سنن الصلاة على كل حال أي سواء ذكرها ، أو لم يذكرها وسواء قدر على إزالتها ، أو لم يقدر . وقيل : إنها واجبة مع ذكر النجاسة والقدرة على إزالتها بوجود ماء مطلق يزيلها به ، أو وجود ثوب طاهر ، أو القدرة على الانتقال من المكان النجس إلى مكان طاهر .

وأما مع النسيان لها والعجز عن إزالتها فليست بواجبة بل تكون حينئذ سنة كالقول الأول ، هكذا ذكر ابن مرزوق - رحمه الله تعالى - في حل كلام المصنف وهو المفهوم من كلام ابن رشد الآتي وغيره . وذكر المصنف - رحمه الله تعالى - في التوضيح أن ابن رشد شهر القول بالسنية وأن طريقة اللخمي تدل على أن القول الثاني هو المشهور قال : وصرح بذلك غير واحد فلذلك اقتصر في مختصره على ذكر هذين القولين .

( قلت : ) والذي يظهر لي من نصوص أهل المذهب أن هذا الخلاف إنما هو خلاف في التعبير على القول الراجح في حكم إزالة النجاسة ولا ينبني عليه اختلاف في المعنى تظهر فائدته ، وذلك أن المعتمد في المذهب أن من صلى بالنجاسة متعمدا عالما بحكمها ، أو جاهلا وهو قادر على إزالتها يعيد صلاته أبدا ، ومن صلى بها ناسيا لها ، أو غير عالم بها ، أو عاجزا عن إزالتها يعيد في الوقت على قول من قال : إنها سنة ، وقول من قال : إنها واجبة مع الذكر والقدرة يظهر ذلك بذكر كلام ابن رشد الذي نقل عنه المصنف " تشهير القول بالسنية " وذكر كلام من وافقه من الشيوخ على ترجيح القول بالسنية قال ابن رشد في رسم شك من سماع ابن القاسم من كتاب الطهارة : المشهور في المذهب قول ابن القاسم وروايته عن مالك أن رفع النجاسات من الثياب والأبدان سنة ، فمن صلى بثوب نجس على مذهبه ناسيا ، أو جاهلا بنجاسة ، أو مضطرا إلى الصلاة أعاد في الوقت . وأما من صلى عالما غير مضطر متعمدا أو جاهلا أعاد أبدا لتركه السنة عامدا ، ومن أصحابنا من قال إن رفع النجاسات عن الثياب والأبدان فرض بالذكر ساقط بالنسيان .

وليس ذلك بصحيح عندي ; لأنه ينتقض بالمضطر ; لأنه ذاكر ولا يعيد إلا في الوقت . وقال بعضهم : فرض مع الذكر والقدرة تحرزا من هذا الاعتراض انتهى فكلامه يقتضي أن التفريع على القولين [ ص: 132 ] واحد بل في كلامه الذي ذكرناه ارتضاء للعبارة الثانية ، وإن كان قال في رسم المكاتب من سماع يحيى : إنها عبارة غير مخلصة ونصه في كتاب الصلاة : اختلف في رفع النجاسة من الأبدان والثياب فقيل : فرض وهو قول ابن وهب فيعيد من صلى بثوب نجس أبدا عالما كان ، أو جاهلا ، أو ناسيا ، وقيل : إنها سنة وهو المشهور وعليه فيعيد من صلى بثوب نجس في الوقت إن كان ناسيا ، أو لم يجد غيره .

وأما من صلى به متعمدا ، أو جاهلا وهو يجد ثوبا طاهرا أعاد أبدا لتركه السنة عامدا مستخفا بصلاته ، أو جاهلا ولا يعذر بجهله ، ومن الناس من يعبر عن رفع النجاسة بأنه فرض بالذكر مع القدرة ، يسقط بالنسيان ، أو عدم القدرة ، وليست عندي بعبارة مخلصة ، وقد روى البرقي عن أشهب أن من صلى بثوب نجس عامدا فلا إعادة عليه إلا في الوقت وهو ظاهر قوله في المدونة في من مسح المحاجم أنه يعيد في الوقت ولم يفرق بين العمد والنسيان وعلى ذلك حملها أبو عمران قال : للاختلاف في المسح إذ قد روي عن الحسن أنه ليس عليه غسل موضع المحاجم ، وقال ابن أبي زيد : معناه ناسيا انتهى .

وله نحو ذلك في المسائل الثلاثة من سماع موسى من كتاب الصلاة ، وممن رجح القول بأن الإزالة سنة ابن يونس ، فقال في كتاب الصلاة بثياب أهل الذمة : إنه الصحيح من المذهب وصرح في غير موضع من كتابه بأن من صلى بها عامدا يعيد أبدا قاله في مسألة من ترك الاستنجاء والاستجمار في كتاب الطهارة ، وفي مسألة من صلى ومعه جلد ميتة في كتاب الصلاة قال في الكلام على الاستنجاء قال ابن القاسم في العتبية : ولو لم يستنج ، ولو استجمر ساهيا أعاد في الوقت كمن صلى بها في ثوبه . وابن يونس يريد ، ولو فعل ذلك عامدا أعاد أبدا لقوله في كتاب الصلاة الأول من المدونة ، ومن صلى ومعه جلد ميتة لم يدبغ ، أو شيء من عظمها أو لحمها أعاد في الوقت يريد أنه صلى بذلك ناسيا انتهى .

وتأول قوله في المدونة في ماسح موضع المحاجم إذا صلى بعد البرء قبل أن يغسلها أنه يعيد في الوقت على أنه فعل ذلك ناسيا كما ذكره عنه المصنف في التوضيح وذكره غيره وممن رجح القول بالسنية عبد الحق في تهذيب الطالب بل صرح بأنه المشهور في ترجمة أقسام الطهارة ، وفي ترجمة من صلى بثوب نجس ، أو حرير ، وفي باب الرعاف ومع ذلك فكلامه في غير موضع من كتابه يدل على أن من صلى بالنجاسة عامدا يعيد أبدا وصرح بذلك في باب ذكر النجاسة في الثوب والجسد ونصه قال أبو محمد عبد الوهاب : اختلف أصحابنا في إزالة النجاسة عن البدن والثوب والمكان هل هي واجبة وجوب الفرائض ، أو وجوب السنن وهذا الاختلاف مع الذكر والقدرة والتمكن لنص مالك على أن من صلى بثوب نجس ناسيا ، أو ذاكرا إلا أنه لم يقدر على غيره أنه يعيد في الوقت وهذا يدل على أنه واجب وجوب السنن ; لأنه لو كانت إزالتها فرضا لوجب أن يعيد أبدا كما لو ترك بعض أعضائه في الوضوء ، ولا يعترض على هذا بقولهم فيمن صلى بنجاسة متعمدا وهو قادر على إزالتها ، أو على ثوب طاهر : إنه يعيد أبدا ; لأن من السنن المؤكدة ما هذا سبيله فقد قالوا فيمن ترك التسمية عامدا : لا تؤكل ذبيحته ، وقال ابن زياد وسحنون فيمن ترك السورة عامدا : إنه يعيد صلاته مع قولهم في ذلك إنه مسنون ، على أنه قد ذكر أبو محمد عن البرقي عن أشهب فيمن صلى بثوب نجس عامدا أنه يعيد في الوقت انتهى .

وهذا الكلام جميعه للقاضي عبد الوهاب في شرح الرسالة فأنت ترى صاحب التهذيب مع تشهير القول بالسنية قد ارتضى ما ذكره عن عبد الوهاب من إعادة العامد أبدا ، وحكاية الإعادة في الوقت عن أشهب ، ونحو هذا للتلمساني في شرح الجلاب وقال سند في باب آداب الإحداث في الكلام على الاستجمار : إن حكم كل من صلى بنجاسة لسهو ، أو عدم ما يزيلها به أنه يعيد في الوقت ، ومن صلى بها عامدا قادرا أعاد أبدا على ظاهر [ ص: 133 ] المذهب انتهى .

فقد ظهر لك أن مؤدى القولين المشهورين في التفريع واحد ومما يدل على ذلك أن التفاريع الآتية التي جزم بها المصنف وغيره إنما تتمشى على ذلك منها قوله وسقوطها في صلاة مبطل كذكرها فيها .

( تنبيه ) هذا الذي ذكرناه من أن الخلاف إنما هو في التعبير بالسنية ، أو الوجوب إنما ذلك حيث أردنا بيان الراجح من المذهب . وأما إن لم نرد ذلك فلا شك في وجود القول بعدم إعادة العامد أبدا على القول بأنها سنة كما ذكره القاضي عبد الوهاب في المعونة والباجي في المنتقى وعبد الحق في التهذيب وابن رشد في رسم المكاتب من سماع يحيى . فإن قلت سيأتي أن في بطلان من ترك السنة عامدا قولين مشهورين فلعل ما ذكره هؤلاء أحد القولين المشهورين ويكون القول بعدم إعادة العامد أبدا هو المشهور الثاني .

( قلت : ) لم أر من ذكر في هذه المسألة بخصوصها ترجيح القول بعدم إعادة العامد أبدا فإنما يذكرونه على أنه قول في المذهب ، والعمدة في كل مسألة على النصوص فيها لا على ما يتخرج فيها من الخلاف فتأمله . فإن قلت : لعل ثمرة الخلاف تظهر في تأثيم العامد على القول بالوجوب وعدم تأثيمه على القول بالسنية .

( قلت : ) صرح في المعونة بأن العامد آثم وإن قلنا إنها سنة وإنه لا يعيد أبدا وصرح بذلك الباجي في المنتقى وذكر في التوضيح عن المازري أنه ذكر عن القاضي عبد الوهاب الاتفاق على تأثيم من تعمد ترك الصلاة بها ، وقال البساطي في المغني : نقل عن القاضي عبد الوهاب الإجماع على التأثيم واستشكل إذ هو من خصائص الوجوب ، وعندي أن التأثيم على مخالفة السنة ، وفي الواجب على ترك الفعل انتهى .

( قلت : ) ولعل هذا هو الموجب لعدم ترجيح القول بعدم إعادة العامد أبدا والله - تعالى - أعلم .

واعلم أن الطرق اختلفت في نقل المذهب في حكم إزالة النجاسة واقتصر المصنف على قولين مشهورين وذكر ابن عرفة في ذلك أربع طرق : الأولى : لابن القصار والرسالة والتلقين أنها واجبة بلا خلاف وما وقع في المذهب من الخلاف في إعادة المصلي بها فعلى الخلاف في شرطيتها . الثانية : للجلاب والقاضي عبد الوهاب في شرح الرسالة والبيان والأجوبة بلا خلاف أنها سنة ، والخلاف في الإعادة مبني على الخلاف في الإعادة لترك السنن عمدا . الثالثة : للمعونة فيها روايتان بالوجوب والسنية . الرابعة : للخمي فيها ثلاثة أقوال الوجوب والسنية والثالث الوجوب مع الذكر والقدرة هو المشهور .

( قلت : ) تبع ابن عرفة في عزو الطريق الأولى للرسالة ابن الحاجب وليس كذلك ; لأنه ذكر فيها قولين بالوجوب والسنية ، فقال : وطهارة البقعة للصلاة واجبة ، وكذلك طهارة الثوب النجس فقيل : إن ذلك فيهما واجب وجوب الفرائض ، وقيل : وجوب السنن المؤكدة ، وكذا اعترض الشيخ خليل على ابن الحاجب في عزوه الطريق الأولى للرسالة ، وفي عزو ابن عرفة الطريق الثانية للبيان نظر ; لأن كلامه المتقدم يقتضي الخلاف فيها وأن المشهور السنية واقتصر ابن عرفة على عزو الطريق الثانية للخمي وعزاها ابن الحاجب للخمي وغيره ، وقال في التوضيح : وزاد ابن رشد قولا رابعا بالاستحباب .

( تنبيه ) نقل في التوضيح كلام ابن رشد الأول وأسقط منه لفظة فسد بها المعنى فإنه نقل عنه أنه إن صلى بثوب نجس ناسيا أو جاهلا ، أو مضطرا أعاد في الوقت فيوهم أن حكم الجاهل بالحكم كالناسي ولفظ ابن رشد أو جاهلا بنجاسة كما تقدم وتبعه على هذا الشارح في الكبير والبساطي وغيرهما ولعل ذلك في النسخ التي وقفت عليها ، وقد راجعت منها نسخا متعددة فوجدتها كذلك وإنما أطلت الكلام في هذا لأني لم أر من استوفى الكلام عليها ; لأن كثيرا من الناس يفرعون على القول بالسنية الذي ذكره المصنف عدم إعادة العامد أبدا وليس عندي بصحيح لما علمته فتأمله منصفا [ ص: 134 ] والله - تعالى - أعلم .

وقوله عن ثوب مصل لا يريد به خصوصية الثوب بل المراد كل ما هو حامل له من خف وسيف وغير ذلك كما صرح بذلك القاضي عياض وغيره وهو ظاهر . وقوله مصل أي مريد الصلاة وخصه بالذكر ; لأن تجنب النجاسة في الثوب والبدن والمكان إنما يجب عند قصد التلبس بالصلاة ، أو بفعل تشترط له الطهارة قال ابن مرزوق : وأما تجنبها في غير ذلك فمستحب ويكره مباشرة النجاسة من غير ضرورة قال في المدونة : يكره لبس الثوب النجس في الوقت الذي يعرق فيه ، وقيل : إن تجنبها واجب لذاته فلا يجوز لأحد أن ينجس عضوا من أعضائه نقله الشيخ زروق - رحمه الله تعالى - في شرح الرسالة ، وقال : حتى لقد عده بعضهم في الصغائر .

( قلت : ) وجعله ابن الفرات في شرحه مقابلا للمشهور ، فقال : أخرج بقوله مصل الصغير والحائض والجنب فلا يطلب منه الإزالة إلا عند وجوب الصلاة ، أو فعلها في حق الصغير وعند الطهر في حق غيره على المشهور ، وقيل : إنها فرض إسلامي لا تعلق لها بالصلاة لقوله تعالى { وثيابك فطهر } على أحد التأويلات واختاره ابن العربي انتهى .

وقال البساطي : يبعد أن يريد المصنف أنه فرض إسلامي ; لأن المذهب أنه واجب لأجل الصلاة انتهى .

( قلت : ) وكلام المصنف إنما يدل على أنه إنما يجب لأجل الصلاة .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث