الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

الفرق بين قاعدة الحمل على أول جزئيات المعنى وقاعدة الحمل على أول أجزائه

( الفرق الحادي والعشرون بين قاعدة الحمل على أول جزئيات المعنى وقاعدة الحمل على أول أجزائه أو الكلية على جزئياتها وهو العموم على الخصوص ) وهذا المعنى قد التبس على جمع كثير من فقهاء المذهب وغيرهم وهذا الموضع أصله إطلاق وقع في أصول الفقه أن ترتيب الحكم على الاسم هل يقتضي الاقتصار على أوله أم لا ؟ قولان فلما وقع هذا الإطلاق للأصوليين عمل جماعة من الفقهاء على تخريج الفروع عليه على خلاف ما تقتضيه هذه القاعدة ولا بد من بيان قاعدتين :

( القاعدة الأولى ) تحقيق الجزئي ما هو وله معنيان : أحدهما كل شخص من نوع كزيد وعمرو وغيرهما من أفراد الإنسان وكذلك كل شخص من نوع كالفرس المعين من نوع الفرس والحجر المعين من نوع الحجارة ونحو ذلك وثانيهما ما اندرج تحت كلي هو وغيره وهذا أعم من الأول فإنه يصدق بالأشخاص كزيد وعمرو لاندراجهما تحت مفهوم الإنسان والحيوان وغيرهما ويصدق أيضا على الأنواع والأجناس التي ليست بأشخاص لاندراجها تحت كلي هي وغيرها فالإنسان يندرج تحت الحيوان مع الفرس والحيوان مع النبات مندرج تحت النامي والنامي والجماد مندرجان تحت الجسم فهذان هما معنى الجزئي .

( القاعدة الثانية ) بيان الجزء وهو الذي لا يعقل إلا بالقياس إلى كل فالكل مقابل للجزء والكلي مقابل للجزئي فالخمسة من العشرة جزء والحيوان من الإنسان جزء والإنسان كل لتركبه من الحيوان والناطق وهاهنا قاعدة وهي أن اللفظ الدال على الكل دال على جزئه في الأمر وخبر الثبوت بخلاف النهي وخبر النفي فإذا أوجب الله تعالى ركعتين فقد أوجب ركعة [ ص: 135 ] وإذا قلنا عند زيد نصاب فعنده عشرة دنانير أما إذا نهى الله تعالى عن ثلاث ركعات في الصبح فلا يلزم منه النهي عن ركعتين وإذا قلنا ليس عنده نصاب لا يلزم أن لا يكون عنده عشرة دنانير بل تسعة عشر والسر في ذلك أن النهي يعتمد إعدام الحقيقة وعدم الحقيقة يصدق بعدم جزء واحد منها ولا يتوقف عدمها على عدم جميع أجزائها كما يعدم النصاب بدينار فكذلك خبر النفي أما ثبوت الحقيقة فيتوقف على ثبوت جميع أجزائها فلا يثبت النصاب إلا بثبوت جميع عشرين دينارا وكذلك الأمر بتحصيل المركب يتوقف على تحصيل جميع الأجزاء فلا تحصل الركعتان حتى تتحصل كل واحدة منهما فلذلك دل الأمر وخبر الثبوت على ثبوت الجزء دون النهي وخبر النفي [ ص: 136 ] واللفظ الدال على الكلي لا يدل على جزئي من جزئياته مطلقا من غير تفصيل بل إنما يفهم الجزئي من أمر آخر غير اللفظ فإذا قلنا : في الدار جسم لا يدل ذلك على أنه حيوان .

وإذا قلنا : فيها حيوان لا يدل ذلك على أنه إنسان وإذا قلنا : فيها إنسان لا يدل ذلك على أنه مؤمن أو كافر وإذا قلنا : فيها مؤمن لا يدل ذلك على أنه زيد إذا تقررت هذه القاعدة ظهر أن حمل اللفظ على أدنى مراتب جزئياته لا تكون فيه مخالفة للفظه لعدم دلالته على غير هذا الجزئي أما إذا حملنا اللفظ على أقل الأجزاء فقد خالفنا اللفظ فإنه يدل على الجزء الآخر وما أتينا به ومخالفة لفظ صاحب الشرع لا تجوز بخلاف الأول فإذا قال الله تعالى صوموا رمضان فمن عمد إلى الاقتصار على أقل أجزائه فقد خالف لفظ صاحب الشرع بخلاف ما إذا قال الله تعالى اعتقوا رقبة فعمدنا إلى رقبة تساوي عشرة وتركنا الرقبة التي تساوي ألفا لا نكون مخالفين للفظ صاحب الشرع وبهذا يظهر بطلان قول من يخرج الخلاف في غسل الذكر من المذي هل يقتصر فيه على الحشفة أم لا بد من جملته على هذه القاعدة لأن هذا اقتصار على جزء لا جزئي فهو كالاقتصار على يوم من رمضان فلا يصح وكذلك تخريج الخلاف في التيمم هل هو إلى الكوعين أو إلى المرفقين أو إلى الإبطين على هذه القاعدة لا يصح أيضا فإن الكوع جزء اليد لا جزئي منها فكان كالاقتصار على يوم من رمضان وكل ما هو من هذا القبيل من التخريج ليس بصحيح فتأمله فهو كثير في مذهب مالك وغيره من [ ص: 137 ] المذاهب وكذلك حمل اللفظ العام على بعض أفراده ترك لظاهر العموم من غير دليل وهو باطل إجماعا فيجتنب في هذا الباب حمل الكل على بعض أجزائه وحمل الكلية على بعض جزئياتها فهو حمل العام على بعض الخصوصيات فهذه كلها تخريجات باطلة بل التخريج الصحيح في فروع منها فرع الحضانة هل تستحقه الأم إلى الإثغار أو إلى البلوغ قولان يناسب تخريجهما على القاعدة بسبب أن قوله عليه السلام { أنت أحق به ما لم تنكحي } كما جاء في الحديث المشهور يقتضي ثبوت الأحقية لها إما غاية معينة فلم يذكرها صاحب الشرع غير غاية تتعلق بها هي وبحالها وهي عدم الزواج إما غاية تتعلق بحاله هو فلم يذكرها صاحب الشرع بل الأحقية فقط وهي تصدق بطرفين فأدناهما الإثغار وأعلاهما البلوغ فإذا حملنا الحضانة على الإثغار لا نكون مخالفين لمقتضى لفظ الأحقية باعتبار حاله فقد وفينا بالقاعدة مع عدم مخالفة اللفظ .

فإن قلت : فقد خولفت الغاية المقولة بالنسبة إلى حالها هي وهي عدم الزواج قلت : مسلم لكن هذه الغاية هي إشارة إلى المانع وأن زواجها مانع من ترتب الحكم على سببه والمانع وعدمه لا مدخل لهما في ترتب الأحكام بل في عدم ترتبها كما تقدم أن المؤثر في المانع إنما هو وجوده في العدم لا عدمه في الوجود والتخريج إنما وقع فيما اقتضاه اللفظ من موجب الحكم وسببه [ ص: 138 ] وما يترتب عليه الثبوت ومنها التفرقة بين الأمة وولدها اختلف العلماء فيه أيضا هل يمنع ذلك إلى البلوغ أو الإثغار وهو المشهور في هذا دون الأول وتخريجه على القاعدة متيسر أيضا حسن بسبب أن قوله عليه السلام { لا توله والدة على ولدها } عام في الوالدات والمولودين من جهة أن والدة نكرة في سياق النفي فتعم وولدها اسم جنس أضيف فيعم وعام في الزمان أيضا من جهة أن لا لنفي الاستقبال على جهة العموم ومنه { لا يموت فيها ولا يحيا } فإن ذلك يعم الأزمنة المستقبلة غير أنه مطلق في أحوال الولد لأن القاعدة أن العام في الأشخاص مطلق في الأحوال .

وإذا كان مطلقا في الأحوال فهو يتناول أمرا كليا يصدق في رتبة دنيا وهي الإثغار ورتبة عليا وهي البلوغ فإذا خرج الخلاف على القاعدة من هذا الوجه استقام لأنه حمل اللفظ على أدنى مراتب جزئياته ولا يخالف اللفظ الدال على الكلي وأما عموم لا فهو راجع إلينا كأنه قال : حرم الله تعالى عليكم ذلك في جميع الأزمنة المستقبلة من زمن هذا الخطاب وليس عمومه بالنسبة إلى الأمهات والأولاد فلم تكن فيه معارضة لعدم العموم في الوالدات فتأمل ذلك ومنها قوله تعالى { فإن آنستم منهم رشدا فادفعوا إليهم أموالهم } اختلف العلماء في ذلك هل محمله على أدنى مراتب الرشد وهو الرشد في المال خاصة قاله : مالك أو على أعلى مراتب الرشد وهو الرشد في المال والدين قاله : الشافعي مع أن الرشد ذكر بصيغة التنكير الدال على المعنى الأعم الذي لا يدل على جزئي خاص فليس في حمله على أدنى الرتب مخالفة للفظ ألبتة ولا من وجه محتمل بخلاف المثالين الأولين فيهما تلك المخالفة التي احتيج للاعتذار عنها ومنها مسألة الحرام إذا قال : أنت علي حرام فهل يحمل على الثلاث أو الواحدة [ ص: 139 ] خلاف يصح تخريجه على هذه القاعدة لأن قوله حرام مطلق دال على مطلق التحريم الدائر بين الرتب المختلفة فأمكن حمله على أعلاها أو على أدناها ويلحق بمسألة الحرام ما معها في مذهب مالك من الألفاظ نحو ألبتة والبائن وحبلك على غاربك هل يحمل على أعلى الرتب وهو الثلاث أم لا ومنها مسألة التيمم في قوله تعالى { فتيمموا صعيدا } فقوله صعيدا مدلوله أمر كلي يمكن حمله على أدنى الرتب وهو مطلق ما يسمى صعيدا ترابا كان أو غيره من جنس الأرض وهو مذهب مالك رحمه الله أو أعلى رتب الصعيد وهو التراب وهو مذهب الشافعي فهذه المسألة أيضا حسنة التخريج على هذه القاعدة من غير معارض من جهة اللفظ ولا المعنى .

ومنها قوله عليه السلام { إذا سمعتم المؤذن يؤذن فقولوا مثل ما يقول } والمثلية في لسان العرب تصدق بين الشيئين بأي وصف كان من غير شمول فإذا قلت : زيد مثل الأسد كفى في ذلك الشجاعة دون بقية الأوصاف وكذلك زيد مثل عمرو يصدق ذلك حقيقة بمشاركتهما في صفة واحدة فالمثل المذكور في الأذان إن حمل على أعلى الرتب قال : مثل ما يقول إلى آخر الأذان أو على أدنى الرتب ففي التشهد خاصة وهو مشهور مذهب مالك فهذه ست مسائل تنبهك على صحة التخريج على هذه القاعدة والمسائل السابقة تنبهك على التخريج الفاسد عليها لأن الأول من باب الأجزاء وهذه من باب الجزئيات فقد ظهر لك الفرق بينهما والصحيح من الفاسد .

( تنبيه ) ليس الخلاف في هذه [ ص: 140 ] القاعدة مطلقا في جميع فروعها بل فروعها ثلاثة أقسام : قسم أجمع الناس فيه على الحمل على أعلى الرتب وهو ما ورد من الأوامر بالتوحيد والإخلاص وسلب النقائص وما ينسب إلى الرب تعالى من التعظيم والإجلال في ذاته وصفاته العليا فهذا القسم الأمر فيه متعلق بأقصى غايته الممكنة للعبيد ومع ذلك فقد قال : عليه السلام { لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك } وقسم أجمع الناس فيه على الحمل على أدنى الرتب وهو الأقارير فإذا قال : له عندي دنانير حمل على أقل الجمع وهو ثلاثة وهو أدنى رتبها مع صدقها في الآلاف لكون الأصل براءة الذمة فيقبل تفسيره بأقل الرتب وليس الأصل إهمال جانب الربوبية بل تعظيمها والمبالغة في إجلال الله تعالى لقوله تعالى { وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون } .

وقال مع ذلك في الآية الأخرى { وما قدروا الله حق قدره } وذلك يقتضي أن جميع الغايات التي وصلوا إليها دون ما ينبغي له تعالى من التعظيم والإجلال فهذا هو الفرق بين القسمين القسم الثالث مختلف فيه وهو ما تقدم من المسائل فهذا تلخيص هذه القاعدة على وجه لا يلتبس بعد ذلك إن شاء الله تعالى .

التالي السابق


حاشية ابن الشاط

[ ص: 134 ] قال : ( الفرق الحادي والعشرون بين قاعدة الحمل على أول جزئيات المعنى وقاعدة الحمل على أول أجزائه أو الكلية على جزئياتها وهو العموم على الخصوص إلى قوله : والإنسان كل لتركبه من الحيوان والناطق ) قلت : جميع ما قاله في ذلك صحيح .

قال : ( وهاهنا قاعدة وهي أن اللفظ الدال على الكل دال على جزئه في الأمر وخبر الثبوت بخلاف النهي وخبر النفي ) قلت ما قاله في هذه القاعدة غير صحيح بل اللفظ الدال على الكل دال على جزئه مطلقا .

قال : ( فإذا أوجب الله تعالى ركعتين فقد أوجب ركعة ) قلت : إن أراد فقد أوجب ركعة منفردة فممنوع وإن أراد فقد أوجب ركعة مقارنة لأخرى فمسلم [ ص: 135 ] قال : ( وإذا قلنا عند زيد نصاب فعنده عشرة دنانير ) قلت : إن أراد فعنده عشرة دنانير منفردة فممنوع وإن أراد فعنده عشرة دنانير مقترنة بأخرى فمسلم .

قال : ( أما إذا نهى الله تعالى عن ثلاث ركعات في الصبح لا يلزم منه النهي عن ركعتين ) قلت : إن أراد لا يلزم النهي عن ركعتين مستقلتين ليس معهما ثالثة فمسلم وإن أراد لا يلزم النهي عن ركعتين متصلتين بثالثة فممنوع .

قال : ( وإذا قلنا : ليس عنده نصاب لا يلزم أن لا يكون عنده عشرة دنانير بل تسعة عشر ) قلت : إن أراد لا يلزم أن لا تكون عنده عشرة دنانير منفردة فمسلم وإن أراد لا يلزم أن لا تكون عنده عشرة دنانير مع عشرة أخرى فممنوع قال : ( والسر في ذلك أن النهي يعتمد إعدام الحقيقة وعدم الحقيقة يصدق بعدم جزء واحد منها ولا يتوقف عدمها على عدم جميع أجزائها كما يعدم النصاب بدينار فكذلك خبر النفي ) قلت : إذا عدم من النصاب دينار لم يبق نصاب ولا جزء نصاب فإن الدينار لا يكون جزء نصاب إلا مع تسعة عشر ولا تكون التسعة عشر جزء نصاب إلا مع دينار أما إذا انفرد دينار فلا يقال فيه جزء نصاب إلا بضرب من المجاز والتوسع وكذلك القول في التسعة عشر لأن الدينار والتسعة عشر اجتماع كل واحد منها مع الآخر ممكن فإذا اجتمعا صار المجموع نصابا فعند الاجتماع كل واحد منهما جزء نصاب حقيقة وعند الافتراق كل واحد منهما جزء نصاب مجازا فاللازم حقيقة خلاف قوله وهو أنه متى عدم جزء عدم جميع الأجزاء أي لم تتألف تلك الحقيقة ولم تكمل فلم تتحقق ولم يوجد شيء من أجزائها فالصحيح أنه متى انتفت الحقيقة انتفى جميع أجزائها .

قال : ( أما ثبوت الحقيقة فيتوقف على ثبوت جميع أجزائها فلا يثبت النصاب إلا بثبوت جميع عشرين دينارا وكذلك الأمر بتحصيل المركب يتوقف على تحصيل جميع الأجزاء فلا تحصل الركعتان حتى تتحصل كل واحدة منهما فلذلك دل الأمر وخبر الثبوت على ثبوت الجزء دون النهي وخبر النفي ) .

قلت : قد تبين أن النهي وخبر النفي يستلزمان جميع أجزاء المنهي والمنفي عنه كما يستلزم الأمر وخبر الثبوت جميع [ ص: 136 ] أجزاء المأمور به والمثبت وتبين أن التسعة عشر الموجودة دون الدينار ليست جزءا ولا أجزاء النصاب حقيقة بل بنوع من المجاز .

قال : ( واللفظ الدال على الكلي لا يدل على جزئي من جزئياته مطلقا من غير تفصيل إلى قوله لا يدل على أنه زيد ) قلت : مراده جزء شيء معين وذلك صحيح .

قال : ( إذا تقررت هذه القاعدة ظهر أن حمل اللفظ على أدنى مراتب جزئياته لا تكون فيه مخالفة للفظه لعدم دلالته على غير هذا الجزئي ) قلت : بل فيه مخالفة للفظه وقوله لعدم دلالته على غير هذا الجزئي لا يفيده مقصوده وكما لا يدل على غير هذا الجزئي لا يدل عليه أيضا .

( قال : أما إذا حملنا اللفظ على أقل الأجزاء فقد خالفنا اللفظ فإنه يدل على الجزء الآخر وما أتينا به إلى قوله فقد خالف لفظ صاحب الشرع ) قلت : ما قاله هنا صحيح .

قال : ( بخلاف إذا قال الله سبحانه وتعالى : اعتقوا رقبة فعمدنا إلى رقبة تساوي عشرة وتركنا الرقبة التي تساوي ألفا لا نكون مخالفين للفظ صاحب الشرع ) قلت : قوله في المثال الذي أورده صحيح لكنه ليس مثالا لما قصد فإنه قصد تمثيل الكلي وليست الرقبة المنكرة من الكلي بل من المطلق فلا يحصل مقصوده من ذلك بمثاله الذي مثل إلا أن يريد بالكلي المطلق فيكون بذلك مخالفا لأهل الأصول في اصطلاحهم .

قال : ( وبهذا يظهر بطلان قول من يخرج الخلاف في غسل الذكر من المذي هل يقتصر فيه على الحشفة أو لا بد من جملته على هذه . [ ص: 137 ] القاعدة لأن هذا اقتصار على جزء لا جزئي إلى قوله فهذه كلها تخريجات باطلة ) قلت : مضمون قوله الفرق بين الكل فلا يحمل اللفظ الدال عليه على جزئه وبين الكلي فيحمل اللفظ الدال عليه على جزأيه فأما قوله إنه لا يحمل لفظ الكل على جزئه فهو الصحيح وأما قوله إن الكلي يحمل على جزأيه فليس بصحيح فإن القائل إذا قال : الرجل خير من المرأة يريد أن هذا الجنس على الجملة خير من هذا الجنس على الجملة لا أن كل واحد واحد من جزئيات هذا الجنس خيره من كل واحد واحد من جزئيات هذا الجنس ومن حمل الكلي على جزأيه في هذا المثال فقد أخطأ كمن حمل الكل على جزئه وإنما حمل شهاب الدين على تسويغ ذلك في الكلي دون الكل اعتقاده أن المطلق هو الكلي وليس كذلك بل المطلق جزئي مبهم غير معين فلذلك جاز فيه الحمل على أي جزئي كان وما قاله : من أنه يجب اجتناب حمل الكلية على بعض جزئياتها صحيح ومراده إذا لم يكن مخصصا .

قال : ( بل التخريج الصحيح في فروع منها فرع الحضانة هل تستحقه الأم إلى الإثغار أو إلى البلوغ قولان فناسب تخريجهما على القاعدة بسبب أن قوله عليه السلام { أنت أحق ما لم تنكحي } إلى آخره قوله في هذه المسألة ) قلت : ما قاله : في المسألة صحيح غير قوله فإذا حملنا الحضانة على الإثغار لا نكون مخالفين لمقتضى لفظ الأحقية باعتبار حاله فقد وفينا بالقاعدة مع عدم مخالفة اللفظ فإنه ليس من القاعدة التي أشار إليها وهي حمل الكلي على جزأيه بل هو من قاعدة المطلق [ ص: 138 ]

قال : ( ومنها التفرقة بين الأمة وولدها اختلف العلماء فيه أيضا هل يمنع ذلك إلى البلوغ أو الإثغار وهو المشهور في هذا دون الأول إلى آخر المسألة ) قلت : ما قاله في هذه المسألة صحيح غير قوله فهو يتناول أمرا كليا فإنه ليس بكلي كيف وقد نص هو على أنه مطلق وهو قوله فإذا خرج الخلاف على القاعدة من هذا الوجه استقام لأنه حمل للفظ على أدنى مراتب جزئياته ولا يخالف اللفظ الدال على الكلي فإنه ليس من الكلي المحمول على جزأيه بل هو من المطلق ولو كان من الكلي لم يصح حمله على جزأيه كما سبق .

قال : ( ومنها قوله تعالى { فإن آنستم منهم رشدا فادفعوا إليهم أموالهم } اختلف العلماء هل محمله على أدنى مراتب الرشد وهو الرشد في المال خاصة قاله : مالك أو على أعلى مراتب الرشد وهو الرشد في المال والدين قاله : الشافعي مع أن الرشد ذكر بصيغة التنكير الدال على المعنى الأعم إلى آخر كلامه في المسألة ) قلت : قوله مع أن الرشد ذكر بصيغة التنكير الدال على المعنى الأعم ليس بصحيح بل صيغة التنكير دالة على المعنى المطلق والمطلق ليس هو المعنى الأعم بل هو المعنى الأخص المبهم غير المعين .

قال : ( ومنها مسألة الحرام إذا قال : أنت علي حرام فهل يحمل على الثلاث أو الواحدة . [ ص: 139 ] يصح تخريجه على هذه القاعدة إلى آخر المسألة ) قلت : قوله لأن قوله حرام مطلق دال على مطلق التحريم الدائر بين الرتب المختلفة فأمكن حمله على أعلاها أو على أدناها صحيح وكذلك شأن المطلقات وليست من القاعدة التي أراد لكن هنا أمر آخر هو سبب الخلاف وهو العرف في لفظة حرام هل هو الثلاث أو الواحدة .

قال : ( ومنها مسألة التيمم في قوله تعالى { فتيمموا صعيدا طيبا } إلى آخر ما قاله في هذه المسألة ) قلت : جرى أيضا على معتاده وفاسد اعتقاده في أن المطلق هو الكلي وقد تبين أنه ليس كذلك .

قال : ( ومنها قوله عليه السلام { إذا سمعتم المؤذن يؤذن فقولوا مثل ما يقول } والمثلية في لسان العرب تصدق بين الشيئين بأي وصف كان من غير شمول إلى آخر المسألة ) قلت : المثلية تقتضي في لسان العرب الشمول في جميع الصفات إلا ما خصه العرف كقولهم زيد مثل الأسد وما أشبهه وما أرى مالكا رحمه الله فرع على تلك القاعدة وإنما رأى أن حي على الصلاة حي على الفلاح ليس من الذكر وإنما هو تحريض واستدعاء والمعهود في الشرع إنما هو استحباب ما هو ذكر فقيد مطلق الحديث بالمعنى وأخذ غير مالك بظاهر اللفظ والله أعلم قال .

: ( فهذه ست مسائل تنبهك على صحة التخريج على هذه القاعدة إلى قوله والصحيح من الفاسد ) قلت : قد تبين الصحيح من الفاسد والحمد لله تعالى .

قال : ( تنبيه ليس الخلاف في هذه . [ ص: 140 ] القاعدة مطلقا في جميع فروعها بل فروعها ثلاثة أقسام إلى آخر ما قاله في هذا الفرق ) قلت : قد صرح في أثناء كلامه بسبب تخصيص ما يتعلق بجانب الربوبية بأعلى الرتب وبسبب تخصيص الأقارير بأدنى الرتب وما سوى ذلك إنما الخلاف فيه لأسباب تخص مواقع الخلاف والله أعلم .



حاشية ابن حسين المكي المالكي

[ ص: 153 ] الفرق الحادي والعشرون بين قاعدة الحمل على أول جزئيات المعنى وقاعدة الحمل على أول أجزائه أو الكلية على جزئياتها وهو العموم على الخصوص ) الصحيح أنه لا فرق بين هذه الثلاثة القواعد بل كما لا يحمل اللفظ الدال على الكل على جزئه الذي قاعدته أنه لا يعقل إلا بالقياس إلى كل فالنصاب في نحو قولنا عند زيد نصاب لا يحمل على من عنده عشرة دنانير منفردة كذلك لا يحمل اللفظ الدال على الكلي على جزأيه الذي قاعدته أنه إما حقيقي وهو كل شخص من نوع كزيد وعمرو وغيرهما من أفراد الإنسان وكالفرس المعين من نوع الفرس وكالحجر المعين من نوع الحجر وإما إضافي وهو ما اندرج مع غيره تحت كلي وهذا أعم من الأول لأنه يصدق على نحو زيد وعمرو لاندراجهما تحت مفهوم الإنسان والحيوان وغيرهما كما يصدق على نحو الإنسان والحيوان والنامي لاندراج الأول مع الفرس تحت الحيوان والثاني مع النبات تحت النامي والثالث مع الجماد تحت الجسم فالكلي مقابل الجزئي والكل مقابل للجزء فالإنسان والحيوان في نحو قولنا في الدار إنسان أو حيوان لا يحمل على أن فيها خصوص زيد على الأول ولا خصوص حقيقة الإنسان على الثاني فإذا قال القائل : الرجل خير من المرأة أراد أن هذا الجنس على الجملة خير من هذا الجنس على الجملة لا أن كل واحد واحد من جزئيات هذا الجنس خير من كل واحد واحد من جزئيات هذا الجنس وكذلك لا تحمل الكلية أي اللفظ العام على بعض جزئياتها أي بعض الأفراد إذا لم يكن ذلك البعض مخصصا وذلك لأن القاعدة أن اللفظ الدال على الكل دال على جزئه بقيد ضمه مع باقي الأجزاء لا منفردا عنها مطلقا ولو كان في النهي وخبر النفي فإذا أوجب الله تعالى ركعتين فقد أوجب ركعة منضمة لأخرى لا مستقلة .

وإذا قلنا : عند زيد نصاب فعنده عشرة دنانير منضمة لمثلها لا منفردة وإذا نهى الله عن ثلاث ركعات في الصبح لا يلزمه منه النهي عن ركعتين مستقلتين ليس معهما ثالثة وإنما يلزم النهي عنهما متصلين بثالثة وإذا قلنا : ليس عند زيد نصاب لا يلزم أن لا يكون عنده عشرة دنانير منفردة وإنما يلزم أن عنده عشرة منضمة لعشرة أخرى وأن اللفظ الدال على الكلي [ ص: 154 ] لا يدل على جزئي من جزئياته مطلقا من غير تفصيل بل إنما يفهم الجزئي من أمر آخر غير اللفظ فإذا قلنا في الدار جسم لا يدل ذلك على أنه حيوان وإذا قلنا فيها حيوان لا يدل ذلك على أنه إنسان وإذا قلنا فيها إنسان لا يدل ذلك على أنه مؤمن أو كافر وإذا قلنا فيها مؤمن لا يدل ذلك على أنه زيد ولأن حمل اللفظ العام على بعض الأفراد ترك لظاهر العموم من غير دليل وهو باطل إجماعا وإنما الفرق بين هذه الثلاثة أي الكل والكلي والكلية لا تحمل على ما ذكر وبين قاعدة المطلق وهو جزئي مبهم كالنكرة في الإثبات يجوز فيه الحمل على أي جزئي كان غير أنه ينقسم إلى ثلاثة أقسام :

( القسم الأول ) ما أجمع الناس فيه على الحمل على أعلى الرتب وهو ما ورد من الأوامر بالتوحيد والإخلاص وسلب النقائص وما ينسب إلى الرب تعالى من التعظيم .

والإجلال في ذاته وصفاته العليا إذ ليس الأصل إهمال جانب الربوبية بل تعظيمها والمبالغة في إجلال الله تعالى فقد قال الله تعالى { وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون } ومع ذلك قال في الآية الأخرى { وما قدروا الله حق قدره } وذلك يقتضي أن جميع الغايات التي وصلوا إليها دون ما ينبغي له تعالى من التعظيم والإجلال فلذلك كان الأمر في هذا القسم متعلقا بأقصى غايته الممكنة للعبيد ومع ذلك قال : عليه الصلاة والسلام { لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك } والقسم الثاني ما أجمع الناس فيه على الحمل على أدنى الرتب وهو الأقارير فإذا قال : له عندي دنانير حمل على أقل الجمع وهو ثلاثة وهو أدنى رتبها مع صدقها في الآلاف إذ الأصل براءة الذمة فلذا قبل في هذا القسم التفسير بأقل الرتب القسم الثالث ما اختلف في حمله على أعلى الرتب أو على أدناها وله فروع منها فرع الحضانة هل تستحق الأم إلى الإثغار أو إلى البلوغ قولان المشهور الثاني ففي المجموع مع شرحه وحاشيته حضانة الذكر بمجرد البلوغ فلا يشترط عقل ولا قدرة على الكسب على المشهور خلافا لابن شعبان وابن الحاجب والأنثى لنفس الدخول لا للدعاء له فليست كالنفقة خلافا لما في الأصل فالمشكل ما دام مشكلا لا يخرج عن الحضانة كما لعبق وذلك لاحتمال أنوثته ولا يمكن الدخول . ا هـ .

وذلك الخلاف لأن قوله عليه الصلاة والسلام [ ص: 155 ] { أنت أحق به ما لم تنكحي } كما جاء في الحديث المشهور يقتضي ثبوت الأحقية لها فقط ما لم تتزوج وهي تصدق بطرفين بالنسبة لحاله هو أدناهما الإثغار وأعلاهما البلوغ فإذا حملنا الحضانة على الإثغار لا نكون مخالفين لمقتضى لفظ الأحقية لأن هذا التخريج إنما وقع فيما اقتضاه اللفظ في موجب الحكم وسببه وما يترتب عليه الثبوت وأما الغاية المقولة في الحديث بالنسبة إلى حالها هي فهي إشارة إلى المانع وأن زواجها مانع من ترتب الحكم على سببه والمانع وعدمه لا مدخل لهما في ترتب الأحكام بل في عدم ترتبها لأن المؤثر في المانع إنما هو وجوده في العدم لا عدمه في الوجود كما تقدم ومنها فرع التفرقة بين الأمة وولدها هل يمنع ذلك إلى البلوغ أو إلى الإثغار وهو المشهور ؟ هنا قولان وذلك لأن قوله عليه الصلاة والسلام { لا توله والدة على ولدها } وإن كان عاما في الوالدات والمولودين من جهة أن والدة نكرة في سياق النفي فتعم وولدها اسم جنس أضيف فيعم وعاما في الزمان أيضا من جهة أن لا لنفي الاستقبال على جهة العموم كما في قوله تعالى { لا يموت فيها ولا يحيى } غير أنه مطلق في أحوال الولد لأن القاعدة أن العام في الأشخاص مطلق في الأحوال وإذا كان مطلقا في الأحوال فهو يصدق في رتبة دنيا وهي الإثغار ورتبة عليا وهي البلوغ فإذا حل لفظ الولد المطلق على أدنى مراتب جزئياته استقام ولم يعارضه عموم لا لأنه راجع إلينا كأنه قال : حرم الله تعالى عليكم ذلك في جميع الأزمنة المستقبلة من زمن هذا الخطاب وليس عمومه بالنسبة إلى الأمهات والأولاد حتى تكون فيه معارضة لعدم العموم في الوالدات والأولاد فتأمل ذلك ومنها فرع الرشد في قوله تعالى .

{ فإن آنستم منهم رشدا فادفعوا إليهم أموالهم } اختلف العلماء فيه هل محمله على أدنى مراتب الرشد وهو الرشد في المال خاصة قاله مالك أو على أعلى مراتب الرشد وهو الرشد في المال والدين قاله الشافعي لأن الرشد ذكر بصيغة التنكير الدالة على المعنى المطلق الذي هو المعنى الأخص المبهم غير المعين فإذا حمل على أدنى الرتب لم تكن فيه مخالفة للفظ ألبتة ولا من وجه محتمل فافهم ومنها فرع الحرام هل يحتمل في قوله أنت علي حرام على الثلاث أو الواحدة خلاف وذلك لأن قوله حرام مطلق دال على مطلق التحريم [ ص: 156 ] الدائر بين الرتب المختلفة فأمكن حمله على أعلاها أو على أدناها ويلحق به في مذهب مالك من الألفاظ نحو البتة والبائن وحبلك على غاربك هل يحمل على أعلى الرتب وهو الثلاث أم لا كذا قيل وفيه أن ما ذكر ليس هو سبب الخلاف هنا بل سببه هنا أمر آخر وهو العرف في لفظة حرام وما ألحق بها من الألفاظ هل هو الثلاث أو الواحدة كما تقدم ومنها فرع التيمم في قوله تعالى { فتيمموا صعيدا } اختلف هل يحمل فيه لفظ صعيدا على مطلق ما يسمى صعيدا ترابا كان أو غيره من جنس الأرض وهو مذهب مالك رحمه الله تعالى أو على أعلى رتب الصعيد وهو التراب وهو مذهب الشافعي .

وليس منها فرع حكاية الأذان في قوله عليه الصلاة والسلام { إذا سمعتم المؤذن يؤذن فقولوا مثل ما يقول } حتى يقال : إن المثل المذكور في الأذان إن حمل على أعلى الرتب قال : مثل ما يقول إلى آخر الأذان أو على أدنى الرتب ففي التشهد خاصة وهو مشهور مذهب مالك ضرورة أن المثلية تقتضي في لسان العرب الشمول في جميع الصفات إلا ما خصه العرف كقولهم زيد مثل الأسد وما أشبهه فلم يفرعه مالك رحمه الله تعالى على قاعدة المطلق المذكورة وإنما رأى أن حي على الصلاة حي على الفلاح ليس من الذكر وإنما هو تحريض واستدعاء والمعهود في الشرع إنما هو استحباب ما هو ذكر فقيد مطلق الحديث بالمعنى وأخذ غير مالك بظاهر اللفظ وبالجملة فاستعمال الكل في جزئه والكلي في جزأيه والعام في بعض الأفراد لما كان مجازا لا حقيقة لم يجز الحمل عليه إلا إذا دلت القرينة عليه واستعمال المطلق أي الجزئي المبهم في جزئي معين لما كان حقيقة لا مجازا جاز الحمل عليه بلا توقف على قرينة تدل عليه نعم إذا اعتبر في الجزئي أو الفرد ماهيته الكلية لا الشخصية كان استعمال الكلي في الأول والعام في الثاني حقيقة على القول الحق ومن هنا يظهر عدم توجه ما أورده القرافي في تنقيحه على حصرهم الدلالة اللفظية الوضعية في المطابقة والتضمن والالتزام من أن دلالة العام كعبيدي على بعض أفراده لا يصدق عليها واحد من هذه الثلاثة فافهم والله سبحانه وتعالى أعلم .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث