الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

فصل في نقل الحديث بالمعنى

( فصل . لعارف ) بمعاني الألفاظ وما يحيلها ( نقل الحديث بالمعنى ) المطابق عند الأئمة الأربعة وجماهير العلماء . وعليه العمل ، لما روى ابن منده في معرفة الصحابة من حديث { عبد الله بن سليمان بن أكيمة الليثي قال : قلت يا رسول الله ، إني أسمع منك الحديث ، فلا أستطيع أن أرويه كما سمعته منك ، يزيد حرفا أو ينقص حرفا فقال : إذا لم تحلوا حراما ولا تحرموا حلالا وأصبتم المعنى فلا بأس }

فذكر ذلك للحسن . فقال : لولا هذا ما حدثنا . قال الإمام أحمد : ما زال الحفاظ يحدثون بالمعنى وكذلك الصحابة . وعنه لا يجوز ، واختاره جمع من العلماء . وحكاه ابن السمعاني عن ابن عمر وجمع من التابعين ، ونقل عن مالك أيضا . قال ابن مفلح : في نقله عن ابن عمر ومن معه من التابعين نظر ، فإنه لم يصح عنهم سوى مراعاة اللفظ ، فلعله استحباب ، أو لغير عارف . فإنه إجماع فيهما ، وجوزه الماوردي إن نسي اللفظ لأنه قد تحمل اللفظ والمعنى وعجز عن أحدهما ، فيلزمه الآخر . وقيل : يجوز ذلك للصحابة فقط . وقيل : يجوز ذلك في الأحاديث الطوال دون القصار . وقيل : يجوز للاحتجاج لا للتبليغ . وقيل : يجوز بلفظ مرادف فقط . ومنع أبو الخطاب إبدال [ ص: 307 ] لفظ بأظهر منه معنى أو أخفى . وقال ابن عقيل في الواضح : إبداله بالظاهر أولى ، وقال بعض أصحابنا : يجوز بأظهر اتفاقا لجوازه بغير عربية ، وهي أتم بيانا . وحيث تقرر أن الصحيح جواز نقل الحديث بالمعنى ( فليس ) الحديث ( بكلام الله تعالى ) . ( وهو ) أي الحديث ( وحي إن روي مطلقا ) من غير تبيين أن الله أمر أو نهى أو كان خبرا عن الله تعالى ( وإن بين ) النبي ( صلى الله عليه وسلم ) في الحديث ( أن الله تعالى أمر أو نهى ، أو كان خبرا عن الله ) سبحانه وتعالى ( أنه قاله ف ) لا يجوز تغيير لفظه ( كالقرآن ) ومما يدل على جواز نقل الحديث بالمعنى مع تغيير اللفظ : ما رواه الإمام أحمد بإسناد حسن عن واثلة " إذا حدثناكم بالحديث على معناه فحسبكم " وروى الخلال هذا المعنى عن ابن مسعود مرفوعا ، وحدث ابن مسعود عنه صلى الله عليه وسلم حديثا فقال { أو دون ذلك ، أو فوق ذلك ، أو قريبا من ذلك } وكان أنس رضي الله عنه إذا حدث عنه صلى الله عليه وسلم حديثا قال " أو كما قال " إسنادهما صحيح . رواهما ابن ماجه

. وكذلك نقلت وقائع متحدة بألفاظ مختلفة ، ولأنه يجوز تفسيره بعجمية إجماعا ، فبعربية أولى لحصول المقصود ، وهو المعنى ، ولهذا لا تجب تلاوة اللفظ ولا ترتيبه ، بخلاف القرآن والأذان ونحوه ( وجائز إبدال الرسول بالنبي وعكسه ) وهو إبدال لفظ " النبي " بلفظ " الرسول " نص على ذلك الإمام أحمد رضي الله عنه . وبه قال القاضي أبو يعلى والشيخ تقي الدين والنووي وغيرهم . واعترض بأنه لما { علم النبي صلى الله عليه وسلم البراء بن عازب ما يقال عند النوم آمنت بكتابك الذي أنزلت ونبيك الذي أرسلت ، قال : ورسولك ، قال : لا ، ونبيك } متفق عليه ، ورد الاعتراض بأن فائدة قوله صلى الله عليه وسلم للبراء بن عازب : عدم الالتباس بجبريل أو الجمع بين لفظي النبوة والرسالة . قال الشيخ تقي الدين : الجواب عن حديث البراء من ثلاثة أوجه . أحدها : أن " الرسول " كما يكون من الأنبياء يكون من الملائكة . الثاني : أن تضمن قوله صلى الله عليه وسلم { ورسولك } النبوة بطريق الالتزام . فأراد عليه الصلاة والسلام أن يصرح بذكر النبوة . الثالث : الجمع بين [ ص: 308 ] لفظي النبوة والرسالة ، ومحل الخلاف في غير الكتب المصنفة لاتفاقهم على أنه ( لا ) يجوز ( تغيير الكتب المصنفة ) لما فيه من تغيير تصنيف مصنفها . قال ابن الصلاح : لا نرى الخلاف جاريا ، ولا أجراه الناس فيما نعلم فيما تضمنته بطون الكتب فليس لأحد أن يغير لفظ شيء من كتاب ، ويثبت فيه لفظا آخر بمعناه . فإن الرواية بالمعنى رخص فيها من رخص لما كان عليهم في ضبط الألفاظ والجمود عليها من الحرج والنصب . وذلك غير موجود فيما اشتملت عليه بطون الأوراق والكتب ، ولأنه إن ملك تغيير اللفظ فليس يملك تغيير تصنيف غيره ( ولو كذب ) أصل فرعا فيما رواه عنه ( أو غلط أصل فرعا لم يعمل به ) أي بذلك الحديث الذي كذب فيه الشيخ راويه عنه ، أو غلط فيه الشيخ راويه عنه عندنا . وعند الأكثر . وحكاه جماعة إجماعا لكذب أحدهما . ونقل عن الشافعي وأصحابه ( و ) لكن ( هما على عدالتهما ) لعدم بطلان العدالة المتحققة بالشك . فلو شهدا عند حاكم في واقعة قبلا ; لأن تكذيبه أو تغليطه قد يكون لظن منه أو غيره . وقيل : يعمل به واختاره جماعة ( وإن أنكره ) أي أنكر الأصل الفرع بأن قال الشيخ : ما أعرف هذا الحديث أو نحو ذلك ( ولم يكذبه ) أي ولم يكذب الأصل الفرع في روايته عنه ( عمل به ) عند الإمام أحمد ومالك والشافعي رضي الله تعالى عنهم والأكثر ; لأن الفرع عدل جازم غير مكذب أو مغلط ، فيعمل بما رواه . كموت الأصل أو جنونه . وروى سعيد عن الدراوردي عن ربيعة عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة { أن النبي صلى الله عليه وسلم قضى باليمين مع الشاهد } ونسيه سهيل وقال : حدثني ربيعة عني . ورواه الشافعي عن الدراوردي . قال : فذكرت ذلك لسهيل . فقال : أخبرني ربيعة - وهو عندي ثقة - أني حدثته إياه ولا أحفظه . وكان سهيل يحدثه بعد عن ربيعة عنه عن أبيه . ورواه أبو داود وإسناده جيد ولم ينكر ذلك .

فإن قيل : فأين العمل به ؟ قيل : مذكور في معرض الحجة . فإنه إذا جاز أن يعمل به ، ثبت أنه حق يجب العمل به . وعنه لا يعمل به . وقاله أبو حنيفة وأكثر [ ص: 309 ] الحنفية . ولذلك ردوا خبر { أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها فنكاحها باطل } لأنه من رواية الزهري وقال : لا أذكره . وكذلك حديث سهيل في الشاهد واليمين ، وقاسوه على الشهادة فيما إذا نسي شاهد الأصل . وأجيبوا بأن الشهادة أضيق

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث