الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
صفحة جزء
فصل

وقد تجتمع فواصل في موضع واحد ، ويخالف بينها وذلك في مواضع :

[ ص: 175 ] منها في أوائل النحل ، وذلك أنه سبحانه بدأ فيها بذكر الأفلاك فقال : ( خلق السماوات والأرض بالحق ) ( النحل : 3 ) ، ثم ذكر خلق الإنسان فقال : ( من نطفة ) ( النحل : 4 ) ، وأشار إلى عجائب الحيوان فقال : والأنعام ( النحل : 5 ) ثم عجائب النبات فقال : ( هو الذي أنزل من السماء ماء لكم منه شراب ومنه شجر فيه تسيمون ينبت لكم به الزرع والزيتون والنخيل والأعناب ومن كل الثمرات إن في ذلك لآية لقوم يتفكرون ) ( النحل : 10 - 11 ) ، فجعل مقطع هذه الآية التفكر ; لأنه استدلال بحدوث الأنواع المختلفة من النبات على وجود الإله القادر المختار .

وفيه جواب عن سؤال مقدر ؛ وهو أنه لم لا يجوز أن يكون المؤثر فيه طبائع الفصول وحركات الشمس والقمر ؟ ولما كان الدليل لا يتم إلا بالجواب عن هذا السؤال لا جرم كان مجال التفكر والنظر والتأمل باقيا ، إنه تعالى أجاب عن هذا السؤال من وجهين :

أحدهما : أن تغيرات العالم الأسفل مربوطة بأحوال حركات الأفلاك ، فتلك الحركات حيث حصلت ، فإن كان حصولها بسبب أفلاك أخرى لزم التسلسل ، وإن كان من الخالق الحكيم فذلك الإقرار بوجود الإله تعالى ، وهذا هو المراد بقوله تعالى : ( وسخر لكم الليل والنهار والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون ) ( النحل : 12 ) فجعل مقطع هذه الآية العقل ، والتقدير كأنه قيل : إن كنت عاقلا فاعلم أن التسلسل باطل ، فوجب انتهاء الحركات إلى حركة يكون موجدها غير متحرك ، وهو الإله القادر المختار .

والثاني : أن نسبة الكواكب والطبائع إلى جميع أجزاء الورقة الواحدة والحبة الواحدة واحدة ، ثم إنا نرى الورقة الواحدة من الورد أحد وجهيها في غاية الحمرة ، والآخر في غاية السواد ، فلو كان المؤثر موجبا بالذات لامتنع حصول هذا التفاوت في الآثار فعلمنا أن [ ص: 176 ] المؤثر قادر مختار ، وهذا هو المراد من قوله : ( وما ذرأ لكم في الأرض مختلفا ألوانه إن في ذلك لآية لقوم يذكرون ) ( النحل : 13 ) كأنه قيل : قد ذكرنا ما يرسخ في عقلك أن الموجب بالذات والطبع لا يختلف تأثيره ، فإذا نظرت إلى حصول هذا الاختلاف علمت أن المؤثر ليس هو الطبائع بل الفاعل المختار فلهذا جعل مقطع الآية التذكر .

التالي السابق


الخدمات العلمية