الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

من أعظم البغي أن يشهد على معين أن الله لا يغفر له

وأما الشخص المعين ، إذا قيل : هل تشهدون أنه من أهل الوعيد وأنه كافر ؟ فهذا لا نشهد عليه إلا بأمر تجوز معه الشهادة ، فإنه من أعظم البغي أن يشهد على معين أن الله لا يغفر له ولا يرحمه بل يخلده في النار ، فإن هذا حكم الكافر بعد الموت . ولهذا ذكر أبو داود في سننه في كتاب الأدب : " باب النهي عن البغي " ، وذكر فيه عن أبي هريرة رضي الله عنه ، قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : كان رجلان في بني إسرائيل متواخيين ، فكان أحدهما يذنب ، والآخر مجتهد في العبادة ، فكان لا يزال المجتهد يرى الآخر على الذنب ، فيقول : أقصر ، فوجده يوما على ذنب ، فقال له : أقصر . فقال : خلني وربي ، أبعثت علي رقيبا ؟ فقال : والله لا يغفر الله لك ، أو لا يدخلك الجنة ، فقبض أرواحهما ، فاجتمعا عند رب العالمين ، فقال لهذا المجتهد : أكنت بي عالما ؟ أو كنت على ما في يدي قادرا ؟ وقال للمذنب : اذهب فادخل [ ص: 437 ] الجنة برحمتي ، وقال للآخر : اذهبوا به إلى النار . قال أبو هريرة : والذي نفسي بيده ، لتكلم بكلمة أوبقت دنياه وآخرته . وهو حديث حسن .

ولأن الشخص المعين يمكن أن يكون مجتهدا مخطئا مغفورا له ، أو يمكن أن يكون ممن لم يبلغه ما وراء ذلك من النصوص ، ويمكن أن يكون له إيمان عظيم وحسنات أوجبت له رحمة الله ، كما غفر للذي قال : إذا مت فاسحقوني ثم ذروني ، ثم غفر الله له لخشيته ، وكان يظن أن الله لا يقدر على جمعه وإعادته ، أو شك في ذلك . لكن هذا التوقف في أمر الآخرة لا يمنعنا أن نعاقبه في الدنيا ، لمنع بدعته ، وأن نستتيبه ، فإن تاب وإلا قتلناه .

ثم إذا كان القول في نفسه كفرا قيل : إنه كفر والقائل له يكفر بشروط وانتفاء موانع ، ولا يكون ذلك إلا إذا صار منافقا زنديقا . فلا يتصور أن يكفر أحد من أهل القبلة المظهرين الإسلام إلا من يكون منافقا زنديقا . وكتاب الله يبين ذلك ، فإن الله صنف الخلق فيه ثلاثة أصناف : صنف : كفار من المشركين ومن أهل الكتاب ، وهم الذين لا يقرون بالشهادتين . وصنف : مؤمنون باطنا وظاهرا . وصنف أقروا به [ ص: 438 ] ظاهرا لا باطنا . وهذه الأقسام الثلاثة مذكورة في أول سورة البقرة . وكل من ثبت أنه كافر في نفس الأمر وكان مقرا بالشهادتين . فإنه لا يكون إلا زنديقا ، والزنديق هو المنافق .

وهنا يظهر غلط الطرفين ، فإنه من كفر كل من قال القول المبتدع في الباطن ، يلزمه أن يكفر أقواما ليسوا في الباطن منافقين ، بل هم في الباطن يحبون الله ورسوله ويؤمنون بالله ورسوله وإن كانوا مذنبين ، كما ثبت في صحيح البخاري ، عن أسلم مولى عمر [ رضي الله عنه ] ، عن عمر : أن رجلا كان على عهد النبي صلى الله عليه وسلم كان اسمه : عبد الله ، وكان يلقب : حمارا ، وكان يضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد جلده من الشراب ، فأتي به يوما ، فأمر به فجلد ، فقال رجل من القوم : اللهم العنه ! ما أكثر ما يؤتى به ! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا تلعنه ، فإنه يحب الله ورسوله وهذا أمر متيقن به في طوائف كثيرة وأئمة في العلم والدين ، وفيهم بعض مقالات الجهمية أو المرجئة أو القدرية أو الشيعة أو الخوارج . ولكن الأئمة في العلم والدين لا يكونون قائمين [ ص: 439 ] بجملة تلك البدعة ، بل بفرع منها . ولهذا انتحل أهل هذه الأهواء لطوائف من السلف المشاهير .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث