الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب ما عطب من هدي التطوع قبل محله

جزء التالي صفحة
السابق

2348 (45) باب

ما عطب من هدي التطوع قبل محله

[ 1179 ] عن ابن عباس قال : بعث رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بست عشرة بدنة مع رجل وأمره فيها ، قال: مضى، ثم رجع ، فقال: يا رسول الله! كيف أصنع بما أبدع علي فيها؟ ............ قال: " انحرها، ثم اصبغ نعليها في دمها، ثم اجعله في صفحتها، ولا تأكل منها أنت ولا أحد من أهل رفقتك".

وفي رواية : بعث بثماني عشرة بدنة .

رواه أحمد ( 1 \ 217)، ومسلم ( 1325)، وأبو داود (1763)، والنسائي في الكبرى( 4136)، وابن ماجه (3105).

التالي السابق


(45) ومن باب: ما عطب من هدي التطوع قبل محله

قوله : ( كيف أصنع بما أبدع علي منها ) ; أي : بما كل منها ، وعيي ، فوقــف. وقد يقال : على ما عطب منها . قال الهروي : يقال للرجل إذا كلت ركابه ، أو عطبت وبقي منقطعا به : أبدع به . وهو مبني لما لم يسم فاعله . وفي "الأم" قال : وانطلق سنان معه ببدنة يسوقها فأزحفت عليه ، فعيي بشأنها إن هي أبدعت . الرواية : (أزحفت) رباعيا ، مفتوح الحاء . قال الخطابي : كذا يقوله المحدثون . [ ص: 425 ] والأجود : (فأزحفت) بضم الألف ، يقال : زحف البعير : إذا قام من الإعياء ، وأزحفه المسير. وقال أبو عبيد الهروي : أزحف البعير ، فأزحفه السير . و (إن) تروى بكسر الهمزة على الشرط ، وبفتحها : على أنها معمولة لحرف جر حذف ، فتعدى الفعل إليها الذي هو : عي ، : وعيي - مشددا ومفككا ، وهما لغتان معروفتان ، وعليهما قرئ : من حي عن بينة [الأنفال: 42] وفي "الأم" : لأستحفين عن ذلك ; أي : لأكثرن السؤال عنه . يقال : أحفى في المسألة ، وألح ، وألحف : إذا بالغ فيها. ومنه قوله تعالى : كأنك حفي عنها [الأعراف: 187] ; أي : كأنه كثر سؤاله عنها حتى أخبر عنها ، ومنه قول الأعشى :


فإن تسألي عنا فيا رب سائل حفي عن الأعشى به حيث أصعدا

وقوله : ( ثم اصبغ نعليها في دمها ، ثم اجعلها على صفحتها ) ; يعني : النعل الذي قلدها به يجعله على صفحة عنقها ، وإنما أمره بذلك ليكون ذلك علامة على أنه هدي ، فيمتنع منه كل من لا يحل له أكله على ما يأتي .

وقوله : ( ولا تأكل منها أنت ولا أحد من رفقتك ) ; يعني برفقته : المرافقين له في سوق الهدي ومن يتعلق به . وإنما منعه النبي - صلى الله عليه وسلم - ورفاقته من أكلها سدا للذريعة ; لأنه لو لم يمنعهم من ذلك لأمكن أن يبادروا إلى نحرها ، أو يتسببوا إلى ذلك ليأكلوها ، فلما منعهم من المحذور المتوقع انسد ذلك الباب . وهذا وأشباهه من المواضع الواقعة في الشريعة حمل مالكا على القول بسد الذريعة. وهو أصل عظيم لم يظفز به إلا مالك بدقة نظره ، وجودة قريحته . وبظاهر هذا النهي قال [ ص: 426 ] ابن عباس ، واختاره ابن المنذر فقالا : لا يأكل منها سائقها ، ولا أحد من أهل رفقته . وقال مالك والشافعي ، وأحمد ، وإسحاق ، وأبو ثور ، وأصحاب الرأي ، ومن تبعهم : لا يأكل منها سائقها شيئا ، ويخلي بينها وبين الناس يأكلونها . وروي عن ابن عمر : أنه كان يرى الأكل منها . وعلى قول المانعين : فإن أكل منها ضمنها عند مالك وغيره .

وكونه - صلى الله عليه وسلم - لم يلزم صاحب الهدي المعطوب بدلا ; دليل للجمهور على أنه لا بدل عليه في هدي التطوع ; إذ لو كان لبينه له ; لأنه لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة . فأما الواجب منه : فعليه بدله ; لأنه متعلق بذمته ، وله الأكل منه ، والإطعام للأغنياء وغيرهم عند جمهور العلماء غير مالك . واختلفوا : هل له بيعه ؟ فمنعه مالك ، وأجازه الآخرون ، وعبد الملك .

وأما إذا بلغ الهدي محله ، فاختلف العلماء فيما يأكل منه صاحبه . فمشهور مذهب مالك : أنه لا يأكل من ثلاثة: من جزاء الصيد ، ونذر المساكين ، وفدية الأذى ، ويأكل مما سوى ذلك إذا بلغ محله - واجبا كان أو تطوعا - ووافقه على ذلك جماعة من السلف وفقهاء الأمصار . ثم إذا أكل مما منع منه ; فهل يغرم قدر ما أكل منه ؟ أو يغرم هديا كاملا ؟ قولان في مذهبنا . وقال الشافعي ، وأبو ثور : ما كان أصله واجبا ; فلا يأكل منه . وما كان تطوعا ، ونسكا أكل منه ، وأهدى ، وادخر ، وتصدق . والمتعة والقران عنده نسك . ونحوه مذهب الأوزاعي . وقال أبو حنيفة ، وأصحاب الرأي : يأكل من هدي المتعة ، والتطوع ، ولا يأكل مما سوى ذلك . وحكي عن مالك : أنه لا يأكل من دم الفساد . وعلى قياس هذا : لا يأكل من دم الجبر ، كقول الشافعي والأوزاعي .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث