الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

درس ( باب ) في ذكر ما يتدرب به على الجهاد ( : المسابقة ) مشتقة من السبق بسكون الباء مصدر سبق إذا تقدم وبفتحها المال الذي يوضع بين أهل السباق ( بجعل ) جائزة [ ص: 209 ] ( في الخيل ) من الجانبين ( و ) في ( الإبل ) كذلك ( وبينهما ) خيل من جانب ، وإبل من جانب ، وأولى في الجواز بغير جعل ، وأما غير هذه الثلاثة فلا يجوز إلا مجانا كما يأتي ( و ) جائزة ( في السهم ) لإصابة الغرض أو بعد الرمية ( إن صح بيعه ) أي بيع الجعل شرط في جواز المسابقة مطلقا في السهم وغيره فلا تصح بغرر ولا مجهول وخمر وخنزير وميتة وزبل وأم ولد ومكاتب ومعتق لأجل ( وعين ) في المسابقة بحيوان أو سهام ( المبدأ والغاية ) ، ولا تشترط المساواة فيهما ( و ) عين ( المركب ) بفتح الكاف أي ما يركب من خيل أو إبل ، ولا بد أن لا يقطع بسبق أحدهما الآخر ، وإلا لم تجز ( و ) عين ( الرامي و ) عين ( عدد الإصابة ، و ) عين ( نوعها ) أي نوع الإصابة ( من خزق ) بخاء وزاي معجمتين ، وهو أن يثقب ولا يثبت السهم فيه ( أو غيره ) كخسق بخاء معجمة وسين مهملة وقاف وهو أن يثقب ويثبت فيه وخرم براء مهملة وهو ما يصيب طرف الغرض فيخدشه .

ثم أشار إلى أن مخرج الجعل ثلاثة أقسام عاطفا على فعل الشرط من قوله إن صح ، بيعه . قوله : ( وأخرجه متبرع ) أي غير المتسابقين ليأخذه لمن سبق منهما ( أو أخرجه أحدهما فإن سبق غيره ) أي غير المخرج ( أخذه ) السابق ( وإن سبق هو ) أي المخرج ( فلمن حضر ) ، ولا يشترط في صحة العقد التصريح بذلك إذ لو سكتا عنه صح ويحمل عليه ، وإنما المضر اشتراط المخرج أنه [ ص: 210 ] إن سبق عاد إليه ، وأشار للقسم الثالث ، وأنه ممنوع بقوله ( لا إن أخرجا ) أي أخرج كل منهما جعلا ( ليأخذه السابق ) منهما ; لأنه من القمار فإن وقع ذلك لم يستحق بل هو لربه وبالغ على المنع بقوله ( ولو ) ، وقع ذلك ( بمحلل ) أي معه يخرج شيئا ( يمكن سبقه ) لهما لقوة فرسه على أنه إن سبق أخذ الجميع لجواز عود الجعل لمخرجه على تقدير سبقه ، وأولى في المنع إن قطع بعدم سبق المحلل ; لأنه كالعدم ( ولا يشترط ) في المناضلة ( تعيين السهم ) لا تعيين ( الوتر ) برؤية أو وصف ( وله ) في الرمي ( ما شاء ) من سهم أو قوس أو وتر ( ولا ) يشترط ( معرفة الجري ) لفرس كل بل يشترط جهل كل منهما بجري فرس صاحبه على ما مر ( و ) لا معرفة ( الراكب ) لهما ( ولم يحمل ) عليها ( صبي ) أي تكره المسابقة بين صبيين أو صبي مع بالغ ( ولا ) يشترط ( استواء ) أي تساوي ( الجعل ) من المتبرع للسابق بل يجوز أن يقول إن سبق فلان فله دينار ، وإن سبق فلان فله اثنان ( أو ) استواء ( موضع الإصابة ) بل يجوز اشتراط أحدهما موضعا بعينه من الغرض والآخر أعلى منه أو أدنى أو غير ذلك ( أو تساويهما ) عطف على استواء أي لا يشترط تساوي المتسابقين أو المتناضلين في المسافة فيهما ولا في عدد الإصابة في الثاني ( وإن ) ( عرض للسهم عارض ) في ذهابه فعطل سيره ( أو انكسر ) ( أو ) عرض ( للفرس ضرب وجه ) مثلا فعطله ( أو ) عرض لصاحبه ( نزع سوط ) من يده ( لم يكن مسبوقا ) بذلك لعذره ( بخلاف تضييع السوط أو حرن الفرس ) أو قطع اللجام ( وجاز ) السبق ( فيما عداه ) أي ما ذكر من الأمور الثلاثة ، وهي الخيل من الجانبين أو الإبل كذلك والخيل مع الإبل كالسفن والطير لإيصال الخبر بسرعة والجري على الأقدام لذلك والرجم بالأحجار والصراع مما ينتفع به في نكاية العدو لا للمغالبة كما يفعله أهل الفسوق واللهو حال كون ذلك ( مجانا ) بغير جعل ، وإلا منع .

التالي السابق


( باب المسابقة ) ( قوله : وبفتحها ) أي والسبق بفتحها ( قوله : المال الذي يوضع ) أي يجعل إلخ ( قوله : جائزة ) [ ص: 209 ] في الخيل ) أشار الشارح إلى أن قوله في الخيل متعلق بمحذوف خبر المبتدإ الذي هو المسابقة ، وأما قوله : بجعل فهو حال من المبتدأ أو من ضمير الخبر . واعلم أن المسابقة مستثناة من ثلاثة أمور كل منها يقتضي المنع القمار وتعذيب الحيوان لغير مأكلة وحصول العوض والمعوض عنه لشخص واحد . ا هـ . والقمار بكسر القاف المقامرة والمغالبة وقولنا لغير مأكلة أي لغير أكل إذ لا يعذب الحيوان إلا لأكله بالعقر والذبح ، وحصول العوض والمعوض عنه لشخص واحد في بعض الصور وهي ما إذا أخرجه غير المتسابقين ليأخذه السابق .

( قوله : وأولى في الجواز بغير جعل ) أي ، وأولى في الجواز المسابقة على الثلاثة المذكورة بغير جعل ( قوله : وأما غير هذه الثلاثة ) أي كالمسابقة على البغال والحمير والفيلة ( قوله : شرط في جواز المسابقة ) أي بجعل ( قوله : فلا تصح بغرر ) أي بذي غرر كعبد آبق أو بعير شارد ( قوله : ولا مجهول ) أي كالذي في الجيب ، وفي الصندوق ، والحال أنه لا يعلم قدره أو جنسه فلو وقعت المسابقة بممنوع مما ذكر فالظاهر أنه لا شيء فيها ; لأنه لم ينتفع الجاعل بشيء حتى يقال : عليه جعل المثل خلافا لما في البدر القرافي بل تكون كالمجانية كذا قرر شيخنا ( قوله : وعين المبدأ ) عطف على قوله صح بيعه ، وهو بالبناء للمفعول ليشمل ما إذا كان التعيين منهما بتصريح أو كان بعادة والمراد بالمبدأ المحل الذي يبتدأ منه بالرماحة أو الرمي بالسهم والمراد بالغاية المحل الذي تنتهي إليه الرماحة أو الرمي ( قوله : ولا تشترط المساواة فيهما ) أي في المبدأ ولا في الغاية بل إذا دخلا على الاختلاف في ذلك جاز كأن يقول لصاحبه أسابقك بشرط أن أبتدئ الرماحة من المحل الفلاني القريب من آخر الميدان وأنت من المحل الفلاني الذي هو بعيد من آخر الميدان ، وكل من وصل لآخر الميدان قبل صاحبه عد سابقا أو يقول لصاحبه نبتدئ الرماحة من المحل الفلاني وأنت تنتهي لمحل كذا وأنا لمحل كذا الذي هو أقرب من نهايتك وكل من وصل لنهايته قبل صاحبه عد سابقا ( قوله : وعين المركب ) أي بالإشارة الحسية بأن يقول أسابقك على فرسي هذه أو بعيري هذا وأنت على فرسك هذه أو بعيرك هذا ، ولا يكتفي بالتعيين بالوصف كأسابقك على فرس أو بعير صفته كذا ، وكذا كما يدل عليه قول ابن شاس من شروط السبق معرفة أعيان السباق انظر المواق ، وأحرى أن لا يكتفي بذكر الجنس كأسابقك أنا على فرس وأنت على فرس من غير ذكر وصف خلافا للقاني .

( قوله : ولا بد أن لا يقطع إلخ ) يعني أنه يشترط أن يجهل كل واحد من المتسابقين سبق فرسه وفر صاحبه فإن قطع أحدهما أن أحد الفرسين يسبق الآخر لم تجز ( قوله : وعين الرامي ) أي أنه لا بد من معرفة شخصه كزيد وعمرو فلو وقع العقد على أن شخصا يسابق شخصا في الرمي لم يجز ( قوله : وعدد الإصابة ) أي بمرة أو بمرتين من عشرة ( قوله : ولا يثبت السهم فيه ) أي : وهو أن يثقب السهم الغرض ولا يثبت فيه ( قوله : وهو أن يثقب ويثبت فيه ) أي أن يثقب السهم الغرض ويثبت فيه ( قوله : وأخرجه متبرع ) المسابقة في هذه جائزة اتفاقا ، وأما في الثانية : وهي قوله : أو أحدهما فهي جائزة على المشهور كما في عبق وفي المواق أنها جائزة اتفاقا عند ابن رشد ( قوله : فلمن حضر ) أي المسابقة على الظاهر ، ويحتمل لمن حضر العقد ، ويحتمل لمن حضرهما ، وهل لمخرج الجعل الأكل معهم منه أم لا قياسا على الصدقة تعود إليه قولان ( قوله : ولا يشترط في صحة العقد التصريح إلخ ) هذا هو الصواب خلافا لما في خش من اشتراط ذلك قائلا كان الأولى للمصنف أن يقول على أن من سبق إلخ . ا هـ . بن ( قوله : ويحمل عليه ) أي على ذلك الذي ذكره المصنف [ ص: 210 ] قوله : إن سبق عاد إليه ) أي الجعل الذي أخرجه ( قوله : لا إن أخرجا ليأخذه السابق ) أي ، وأما لو أخرجا وسكتا عمن يأخذه منهما فظاهر المصنف أنه لا يمتنع والظاهر أنه يكون لمن حضر فإن كان ليأخذه المسبوق جاز كما هو ظاهر كلامهم ثم إن قول المصنف لا إن أخرجا يقتضي أن الممنوع إخراجهما بالفعل وأنهما لو اتفقا من غير إخراج على أن من سبق فله على الآخر قدر كذا لا يمتنع ، وليس كذلك بل الصواب المنع كما في بن ; لأن التزام المكلف كإخراجه ( قوله : ليأخذه السابق ) أي ليأخذ السابق الجعل الذي أخرجه غيره مع بقاء جعله له ( قوله : لم يستحقه السابق ) أي لم يستحق السابق جعل غيره بل هو لربه .

( قوله : ولو بمحلل ) أي ، ولو وقع عقد المسابقة على الوجه المتقدم مع محلل ورد بلو على من قال بالجواز مع المحلل ، وهو ابن المسيب ، وقال به مالك مرة ، ووجهه أنهما مع المحلل صارا كاثنين أخرج أحدهما دون الآخر قاله بن وفيه أنه إذا أخرج أحدهما ليأخذ إذا سبق ممنوع .

والذي في ح عن الجزولي توجيه ذلك القول بأن دخول الثالث يدل على أنهما لم يقصدا القمار وإنما قصدا القوة على الجهاد فتدبر وعلى ذلك القول إذا سبق المحلل أخذ الجعل منهما وإذا سبق أحدهما مع المحلل أخذ ذلك الأحد ماله وقسم المال الآخر مع المحلل إذ ليس له عليه مزية . ا هـ . بن ( قوله : من المتبرع ) بل وكذا إن كان الجعل منهما معا ، وكان بينهما محلل بناء على القول بالجواز المشار له بلو فيجوز أن يخرج أحدهما خمسة والآخر عشرة كما قال ابن يونس ( قوله : أو موضع الإصابة ) بالجر عطفا على الجعل ( قوله : بل يجوز اشتراط إلخ ) أي كأن يقول أحدهما أنا أصيب الغرض أربعة من عشرة خرقا في أدناه أي في أسفله وأنت تصيبه أربعة من عشرة خرقا أو خسفا من وسطه أو من أعلاه ( قوله : في المسافة فيهما ) أي في المسابقة والمناضلة ، وقوله : في الثاني أي في المناضلة ( قوله : أو نزع سوط ) أي بأن نزع إنسان السوط الذي يسوق به الفرس من يده تعديا فخف جريه ( قوله : بخلاف تضييع السوط ) أي كما لو نسيه قبل ركوبه أو سقط من يده وهو راكب ( قوله : أو حرن الفرس ) أي أو سقوطه من فوقه فإذا تعطل بذلك صار مسبوقا ( قوله : لذلك ) أي لإيصال الخبر بسرعة ( قوله : مما ينتفع به ) أي وغير ذلك مما ينتفع به إلخ فهو بيان لمحذوف ( قوله : للمغالبة ) هذا محترز قوله مما ينتفع به في نكاية العدو أي وبعد أن يكون مجانا يشترط أن يقصد به الانتفاع في نكاية العدو لا المغالبة كذا في الجواهر . ا هـ . بن إذا علمت ذلك فالأولى للشارح أن يقول بشرط أن يقصد به الانتفاع في نكاية إلخ .

والحاصل أن المسابقة بغير الأمور الثلاثة المتقدمة جائزة بشرطين أن يكون مجانا ، وأن يقصد بها الانتفاع في نكاية العدو .

( قوله : وإلا منع ) أي حرم ، وقيل إنه يكره ، وقد حكى الزناتي قولين بالكراهة والحرمة فيمن تطوع بإخراج شيء للمتصارعين أو المتسابقين على أرجلهما أو على حماريهما أو غير ذلك مما لم يرد فيه نص السنة .

تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث