الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


[ ص: 11 ] فصل منزلة الزهد

ومن منازل " إياك نعبد وإياك نستعين " منزلة الزهد .

قال الله تعالى : ( ما عندكم ينفد وما عند الله باق ) وقال تعالى : ( اعلموا أنما الحياة الدنيا لعب ولهو وزينة وتفاخر بينكم وتكاثر في الأموال والأولاد كمثل غيث أعجب الكفار نباته ثم يهيج فتراه مصفرا ثم يكون حطاما وفي الآخرة عذاب شديد ومغفرة من الله ورضوان وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور ) وقال تعالى : ( إنما مثل الحياة الدنيا كماء أنزلناه من السماء فاختلط به نبات الأرض ) الآية ، وقال تعالى : ( واضرب لهم مثل الحياة الدنيا كماء أنزلناه من السماء فاختلط به نبات الأرض فأصبح هشيما تذروه الرياح ) - إلى قوله - ( وخير أملا ) وقال تعالى : ( قل متاع الدنيا قليل والآخرة خير لمن اتقى ) وقال تعالى : ( بل تؤثرون الحياة الدنيا والآخرة خير وأبقى ) وقال : ( ولا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجا منهم زهرة الحياة الدنيا لنفتنهم فيه ورزق ربك خير وأبقى ) وقال تعالى : ( إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها لنبلوهم أيهم أحسن عملا وإنا لجاعلون ما عليها صعيدا جرزا ) وقال : ( ولولا أن يكون الناس أمة واحدة لجعلنا لمن يكفر بالرحمن لبيوتهم سقفا من فضة ) إلى قوله : ( والآخرة عند ربك للمتقين ) .

[ ص: 12 ] والقرآن مملوء من التزهيد في الدنيا ، والإخبار بخستها ، وقلتها وانقطاعها ، وسرعة فنائها . والترغيب في الآخرة ، والإخبار بشرفها ودوامها . فإذا أراد الله بعبد خيرا أقام في قلبه شاهدا يعاين به حقيقة الدنيا والآخرة . ويؤثر منهما ما هو أولى بالإيثار .

وقد أكثر الناس من الكلام في الزهد وكل أشار إلى ذوقه . ونطق عن حاله وشاهده . فإن غالب عبارات القوم عن أذواقهم وأحوالهم . والكلام بلسان العلم أوسع من الكلام بلسان الذوق ، وأقرب إلى الحجة والبرهان .

وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية - قدس الله روحه - يقول : الزهد ترك ما لا ينفع في الآخرة . والورع ترك ما تخاف ضرره في الآخرة .

وهذه العبارة من أحسن ما قيل في الزهد والورع وأجمعها .

وقال سفيان الثوري : الزهد في الدنيا قصر الأمل . ليس بأكل الغليظ ، ولا لبس العباء .

وقال الجنيد : سمعت سريا يقول : إن الله عز وجل سلب الدنيا عن أوليائه وحماها عن أصفيائه ، وأخرجها من قلوب أهل وداده ؛ لأنه لم يرضها لهم .

وقال : الزهد في قوله تعالى : ( لكي لا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بما آتاكم والله لا يحب كل مختال فخور ) فالزاهد لا يفرح من الدنيا بموجود . ولا يأسف منها على مفقود .

وقال يحيى بن معاذ : الزهد يورث السخاء بالملك ، والحب يورث السخاء بالروح .

وقال ابن الجلاء : الزهد هو النظر إلى الدنيا بعين الزوال ، فتصغر في عينيك ، [ ص: 13 ] فيسهل عليك الإعراض عنها .

وقال ابن خفيف : الزهد وجود الراحة في الخروج من الملك .

وقال أيضا : الزهد سلو القلب عن الأسباب ، ونفض الأيدي من الأملاك .

وقيل : هو عزوف القلب عن الدنيا بلا تكلف .

وقال الجنيد : الزهد خلو القلب عما خلت منه اليد .

وقال الإمام أحمد : الزهد في الدنيا قصر الأمل .

وعنه رواية أخرى أنه عدم فرحه بإقبالها . ولا حزنه على إدبارها . فإنه سئل عن الرجل يكون معه ألف دينار . هل يكون زاهدا ؟ فقال : نعم . على شريطة أن لا يفرح إذا زادت ، ولا يحزن إذا نقصت .

وقال عبد الله بن المبارك : هو الثقة بالله مع حب الفقر . وهذا قول شقيق ويوسف بن أسباط .

وقال عبد الواحد بن زيد : الزهد : الزهد في الدنيا والدرهم .

وقال أبو سليمان الداراني : ترك ما يشغل عن الله . وهو قول الشبلي .

وسأل رويم الجنيد عن الزهد ؟ فقال : استصغار الدنيا ، ومحو آثارها من القلب . [ ص: 14 ] وقال مرة : هو خلو اليد عن الملك ، والقلب عن التتبع .

وقال يحيى بن معاذ : لا يبلغ أحد حقيقة الزهد حتى يكون فيه ثلاث خصال : عمل بلا علاقة ، وقول بلا طمع ، وعز بلا رياسة .

وقال أيضا : الزاهد يسعطك الخل والخردل ، والعارف يشمك المسك والعنبر .

وقيل : حقيقته هو الزهد في النفس . وهذا قول ذي النون المصري .

وقيل : الزهد الإيثار عند الاستغناء ، والفتوة : الإيثار عند الحاجة . قال الله تعالى : ( ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ) .

وقال رجل ليحيى بن معاذ : متى أدخل حانوت التوكل ، وألبس رداء الزاهدين ، وأقعد معهم ؟ فقال : إذا صرت من رياضتك لنفسك إلى حد لو قطع الله الرزق عنك ثلاثة أيام لم تضعف نفسك . فأما ما لم تبلغ إلى هذه الدرجة فجلوسك على بساط الزاهدين جهل ، ثم لا آمن عليك أن تفتضح .

وقد قال الإمام أحمد بن حنبل : الزهد على ثلاثة أوجه . الأول ترك الحرام . وهو زهد العوام . والثاني ترك الفضول من الحلال . وهو زهد الخواص . والثالث ترك ما يشغل عن الله . وهو زهد العارفين .

وهذا الكلام من الإمام أحمد يأتي على جميع ما تقدم من كلام المشايخ ، مع زيادة تفصيله وتبيين درجاته . وهو من أجمع الكلام . وهو يدل على أنه رضى الله عنه من هذا العلم بالمحل الأعلى . وقد شهد الشافعي رحمه الله بإمامته في ثمانية أشياء أحدها الزهد .

[ ص: 15 ] والذي أجمع عليه العارفون أن الزهد سفر القلب من وطن الدنيا ، وأخذه في منازل الآخرة . وعلى هذا صنف المتقدمون كتب الزهد . كالزهد لعبد الله بن المبارك ، و للإمام أحمد ، و لوكيع ، ولهناد بن السري ، ولغيرهم .

ومتعلقه ستة أشياء . لا يستحق العبد اسم الزهد حتى يزهد فيها . وهي المال ، والصور ، والرياسة ، والناس ، والنفس ، وكل ما دون الله .

وليس المراد رفضها من الملك . فقد كان سليمان وداود عليهما السلام من أزهد أهل زمانهما . ولهما من المال والملك والنساء ما لهما . وكان نبينا محمد صلى الله عليه وسلم من أزهد البشر على الإطلاق . وله تسع نسوة . وكان علي بن أبي طالب وعبد الرحمن بن عوف و الزبير و عثمان - رضي الله عنهم - من الزهاد . مع ما كان لهم من الأموال . وكان الحسن بن علي رضي الله عنه من الزهاد ، مع أنه كان من أكثر الأمة محبة للنساء ونكاحا لهن ، وأغناهم . وكان عبد الله بن المبارك من الأئمة الزهاد ، مع مال كثير . وكذلك الليث بن سعد من [ ص: 16 ] أئمة الزهاد . وكان له رأس مال يقول : لولا هو لتمندل بنا هؤلاء .

ومن أحسن ما قيل في الزهد ، كلام الحسن أو غيره : ليس الزهد في الدنيا بتحريم الحلال ، ولا إضاعة المال . ولكن أن تكون بما في يد الله أوثق منك بما في يدك ، وأن تكون في ثواب المصيبة - إذا أصبت بها - أرغب منك فيها لو لم تصبك . فهذا من أجمع كلام في الزهد وأحسنه . وقد روي مرفوعا .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث