الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                              صفحة جزء
                                                              1795 باب في القران

                                                              التالي السابق




                                                              قال ابن القيم رحمه الله: ومن تأمل الأحاديث الواردة في هذا الباب حق التأمل جزم جزما لا ريب فيه: أن النبي صلى الله عليه وسلم أحرم في حجته قارنا، ولا تحتمل الأحاديث غير ذلك بوجه من الوجوه أصلا.

                                                              قال الإمام أحمد: لا أشك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان قارنا. تم كلامه.

                                                              وقد روى عنه ذلك خمسة عشر من أصحابه، وهم: عمر بن [ ص: 312 ] الخطاب، وعلي بن أبي طالب، وعائشة أم المؤمنين، وعبد الله بن عمر، وجابر بن عبد الله، وعبد الله بن عباس، وعمران بن حصين، والبراء بن عازب، وحفصة أم المؤمنين، وأنس بن مالك، وأبو قتادة، وابن أبي أوفى، فهؤلاء صحت عنهم الرواية بغاية البيان والتصريح.

                                                              ورواه الهرماس بن زياد، وسراقة بن مالك، وأبو طلحة، وأم سلمة. لكن روت أم سلمة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر أهله بالقران .

                                                              وهؤلاء منهم من أخبر عن لفظه في إهلاله بنسكه أنه قال: لبيك حجا وعمرة كأنس. وهو متفق على صحته، وكعلي بن أبي طالب، فإنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يلبي بهما جميعا وهو في "الصحيحين" والنسائي "وسنن أبي داود"، ولفظ أصحاب "الصحيح": أن عليا أهل بحج وعمرة، وقال: ما كنت لأدع سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم لقول أحد . فقد أخبر علي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لبى بهما جميعا، وأهل هو بهما جميعا، وأخبر أنها سنة النبي صلى الله عليه وسلم، ووافقه عثمان على ذلك.

                                                              ومنهم من أخبر عن خبره صلى الله عليه وسلم عن نفسه، بأنه كان قارنا، وهم البراء بن [ ص: 313 ] عازب، فإنه روى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، لفظه، أنه قال لعلي: إني سقت الهدي وقرنت وهو حديث صحيح رواه أهل "السنن".

                                                              ومنهم من أخبر عنه صلى الله عليه وسلم باللفظ الذي أمر به من ربه، وهو أن يقول: عمرة في حجة كعمر بن الخطاب. وحمل ذلك على أنه أمر بتعليمه، كلام في غاية البطلان. ومن تأمل سياق الحديث ولفظه ومقصوده، علم بطلان هذا التأويل الفاسد.

                                                              وقولهم: إن الرواية الصحيحة: قل: عمرة وحجة ، وأنه فصل بينهما بالواو. وهو صريح في نفس القران، فإنه جمع بينهما في إحرامه وامتثل صلى الله عليه وسلم أمر ربه، وهو أحق من امتثله، فقال: لبيك عمرة وحجا بالواو.

                                                              وقولهم: يحتمل أن يريد به أنه يحرم بعمرة إذا فرغ من حجته قبل أن يرجع إلى منزله، فعياذا بالله من تقليد يوقع في مثل هذه الخيالات الباطلة! فمن المعلوم بالضرورة أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يعتمر بعد حجته قط، هذا ما لا يشك فيه من له أدنى إلمام بالعلم، وهو صلى الله عليه وسلم أحق الخلق بامتثال أمر ربه، فلو كان أمر أن يعتمر بعد الحج كان أولى الخلق بالمبادرة إلى ذلك، ولا ريب أنه صلى الله عليه وسلم اعتمر مع حجته، فكانت عمرته مع الحج لا بعده قطعا. ونصرة الأقوال [ ص: 314 ] إذا أفضت بالرجل إلى هذا الحد ظهر قبحها وفسادها.

                                                              وقولهم: محمول على تحصيلهما معا. قلنا: أجل، وقد حصلهما صلى الله عليه وسلم جميعا بالقران، على الوجه الذي أخبر به عن نفسه، وتبعه أصحابه، من إهلاله.

                                                              ومنهم من أخبر عن فعله، وهو عمران بن حصين في "الصحيحين" عنه قال: جمع رسول الله صلى الله عليه وسلم بين حجة وعمرة ، وتأويل هذا بأنه أمر أو أذن في غاية الفساد، ولهذا قال: تمتع وتمتعنا معه فأخبر عن فعله وفعلهم. وسمي القران تمتعا، وهو لغة الصحابة، كما سيأتي.

                                                              ومنهم من أخبر عن إهلاله بهما أحدهما بعد الآخر، وهم عبد الله بن عمر وعائشة ففي "الصحيحين" عنهما: وبدأ رسول الله صلى الله عليه وسلم فأهل بالعمرة، ثم أهل بالحج وعن عائشة مثله.

                                                              وفي "الصحيحين" عن عائشة: أن النبي صلى الله عليه وسلم اعتمر أربع عمر، الرابعة مع حجته ، ومن المعلوم ضرورة أنه [ ص: 315 ] لم يعتمر بعد الحج، فكانت عمرته مع حجته قطعا. وفي "الصحيحين" مثله عن أنس.

                                                              واتفق ستة عشر نفسا من الثقات عن أنس: أن النبي صلى الله عليه وسلم أهل بهما جميعا ، وهم: الحسن البصري، وأبو قلابة، وحميد بن هلال، وحميد بن عبد الرحمن الطويل، وقتادة، ويحيى بن سعيد الأنصاري، وثابت البناني، وبكر بن عبد الله المزني، وعبد العزيز بن صهيب، وسليمان التيمي، ويحيى بن أبي إسحاق، وزيد بن أسلم، ومصعب بن سليم، وأبو أسماء، وأبو قدامة، وأبو قزعة الباهلي.

                                                              وروى البزار من حديث ابن أبي أوفى قال: إنما جمع رسول الله صلى الله عليه وسلم بين الحج والعمرة لأنه علم أنه لا يحج بعد عامه ذلك .

                                                              وروى أبو القاسم البغوي من حديث سفيان بن عيينة، عن ابن أبي [ ص: 316 ] خالد: أنه سمع عبد الله بن أبي قتادة [عن أبيه] يقول: إنما جمع رسول الله صلى الله عليه وسلم بين الحج والعمرة لأنه علم أنه لا يحج بعدها .

                                                              وروى الإمام أحمد في "مسنده" من حديث الهرماس بن زياد: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل بالحج والعمرة .

                                                              وروى ابن أبي شيبة: حدثنا شبابة، حدثنا الليث بن سعد، عن يزيد بن أبي حبيب، عن أبي عمران قال: دخلت على أم سلمة أم المؤمنين، فقالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: أهلوا يا آل محمد بعمرة وحج . ولم يكن صلى الله عليه وسلم يختار لآله إلا أفضل الأنساك، وهو الذي اختاره لعلي، وأخبر عن نفسه أنه فعله.

                                                              فهذه الأحاديث صحيحة صريحة، لا تحتمل مطعنا في سندها، ولا تأويلا يخالف مدلولها، وكلها دالة على أنه صلى الله عليه وسلم كان قارنا.

                                                              والذين عليهم مدار الإفراد أربعة: عائشة، وابن عمر، وجابر، وابن [ ص: 317 ] عباس، وكلهم قد روى القران. أما ابن عمر وعائشة، ففي "الصحيحين"، عن ابن عمر أنه قال: بدأ رسول الله صلى الله عليه وسلم فأهل بالعمرة، ثم أهل بالحج ، وفي "الصحيحين" عن عروة: أن عائشة أخبرته عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في تمتعه بالحج إلى العمرة وتمتع الناس معه بمثل هذا .

                                                              وروى عبد الرزاق، حدثنا عبيد الله بن عمر، عن نافع: أن ابن عمر قرن بين الحج والعمرة، فطاف لهما بالبيت وبين الصفا والمروة طوافا واحدا، وقال هكذا صنع رسول الله صلى الله عليه وسلم .

                                                              ورواه مسلم عن قتيبة، عن الليث، عن نافع، عن ابن عمر.

                                                              وقالت عائشة: اعتمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثا سوى التي قرن بحجة الوداع . ذكره أبو داود، وسيأتي.

                                                              وروى الثوري عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جابر: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حج ثلاث حجج: [حجتين] قبل أن يهاجر، وحجة بعدما هاجر، معها عمرة ، الحديث.

                                                              [ ص: 318 ] وفي "صحيح مسلم" عن ابن عباس: أهل النبي صلى الله عليه وسلم بعمرة وأهل أصحابه بحج، فلم يحل النبي صلى الله عليه وسلم ولا من ساق الهدي من أصحابه، وحل بقيتهم .

                                                              وسيأتي في كتاب " السنن" عن عكرمة عنه قال: اعتمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أربع عمر: عمرة الحديبية، والثانية حين تواطئوا على عمرة قابل، والثالثة من الجعرانة، والرابعة التي قرن مع حجته فهذه العمرة التي قرنها مع حجته هي التي قال فيها: أهل النبي صلى الله عليه وسلم بعمرة ردا على من قال: أهل بحج مفرد. ولم يقل أحد من هؤلاء ولا من غيرهم قط عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: إني أفردت الحج كما قال: "قرنت"، ولا قال "سمعته يقول لبيك حجا"، كما قال: "لبيك حجا وعمرة" ولا هو أخبر عن نفسه بذلك، ولا أحد من الصحابة أخبر عن لفظ إهلاله به .

                                                              وأما إخباره عن نفسه بالقران، وإخبار أصحابه عنه بلفظه فصريح لا معارض له. والذين رووا الإفراد قد تبين أنهم رووا القران والتمتع، وهم [ ص: 319 ] لا يتناقضون في روايتهم، بل رواياتهم يصدق بعضها بعضا، وإنما وقع الإشكال حيث لم تقع الإحاطة بمعرفة مراد الصحابة ولغتهم، فإنهم كانوا يسمون القران تمتعا، كما في "الصحيحين" من حديث ابن عمر وقد تقدم، وحديث علي: أن عثمان لما نهى عن المتعة قال علي: لبيك بهما، وقال: لم أكن لأدع سنة رسول الله لقول أحد .

                                                              ومن قال: أفرد الحج، لم يقل أفرد إهلال الحج وإنما مراده أنه اقتصر على أعمال الحج ودخلت عمرته في حجه، فلم يفرد كل واحد من النسكين بعمل، ولهذا أخبر أيضا أنه قرن، فعلم أن مراده بالإفراد ما ذكرنا.

                                                              ومن قال: "تمتع" أراد به التمتع العام الذي يدخل فيه القران بنص القرآن، في قوله تعالى: فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدي والقارن داخل في هذا النص، فتمتع صلى الله عليه وسلم بترفهه بسقوط أحد السفرين، وقرن بجمعه في إهلاله بين النسكين، وأفرد فلم يطف طوافين، ولم يسع سعيين.

                                                              ومن تأمل الأحاديث الصحيحة في هذا الباب جزم بهذا، وهذا فصل النزاع، والله أعلم.




                                                              الخدمات العلمية