الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                                      صفحة جزء
                                                                                                                                                                                                                                      قوله تعالى : والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم اعلم أولا أن لفظ المحصنات أطلق في القرآن ثلاثة إطلاقات :

                                                                                                                                                                                                                                      [ ص: 233 ] الأول : المحصنات العفائف ، ومنه قوله تعالى : محصنات غير مسافحات [ 4 \ 25 ] أي : عفائف غير زانيات .

                                                                                                                                                                                                                                      الثاني : المحصنات الحرائر ، ومنه قوله تعالى : فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب ، أي : على الإماء نصف ما على الحرائر من الجلد .

                                                                                                                                                                                                                                      الثالث : أن يراد بالإحصان التزوج ، ومنه على التحقيق قوله تعالى : فإذا أحصن فإن أتين بفاحشة الآية ، أي : فإذا تزوجن . وقول من قال من العلماء : إن المراد بالإحصان في قوله : فإذا أحصن الإسلام خلاف الظاهر من سياق الآية ; لأن سياق الآية في الفتيات المؤمنات حيث قال : ومن لم يستطع منكم طولا الآية .

                                                                                                                                                                                                                                      قال ابن كثير في تفسير هذه الآية ما نصه : والأظهر والله أعلم أن المراد بالإحصان هاهنا التزويج ; لأن سياق الآية يدل عليه حيث يقول سبحانه وتعالى : ومن لم يستطع منكم طولا أن ينكح المحصنات المؤمنات فمن ما ملكت أيمانكم من فتياتكم المؤمنات ، والله أعلم . والآية الكريمة سياقها في الفتيات المؤمنات ، فتعين أن المراد بقوله : فإذا أحصن أي : تزوجن كما فسره ابن عباس وغيره . اهـ محل الغرض منه بلفظه .

                                                                                                                                                                                                                                      فإذا علمت ذلك فاعلم أن في قوله تعالى : والمحصنات من النساء الآية ، أوجه من التفسير هي أقوال للعلماء ، والقرآن يفهم منه ترجيح واحد معين منها .

                                                                                                                                                                                                                                      قال بعض العلماء : المراد بالمحصنات هنا أعم من العفائف والحرائر والمتزوجات أي : حرمت عليكم جميع النساء إلا ما ملكت أيمانكم بعقد صحيح أو ملك شرعي بالرق ، فمعنى الآية على هذا القول تحريم النساء كلهن إلا بنكاح صحيح أو تسر شرعي ، وإلى هذا القول ذهب سعيد بن جبير ، وعطاء ، والسدي ، وحكي عن بعض الصحابة واختاره مالك في " الموطأ " .

                                                                                                                                                                                                                                      وقال بعض العلماء : المراد بالمحصنات في الآية الحرائر ، وعليه فالمعنى وحرمت عليكم الحرائر غير الأربع ، وأحل لكم ما ملكت أيمانكم من الإماء ، وعليه فالاستثناء منقطع .

                                                                                                                                                                                                                                      وقال بعض العلماء : المراد بالمحصنات : المتزوجات ، وعليه فمعنى الآية [ ص: 234 ] وحرمت عليكم المتزوجات ; لأن ذات الزوج لا تحل لغيره إلا ما ملكت أيمانكم بالسبي من الكفار ، فإن السبي يرفع حكم الزوجية الأولى في الكفر وهذا القول هو الصحيح ، وهو الذي يدل القرآن لصحته ; لأن القول الأول فيه حمل ملك اليمين على ما يشمل ملك النكاح ، وملك اليمين لم يرد في القرآن إلا بمعنى الملك بالرق ، كقوله : فمن ما ملكت أيمانكم من فتياتكم المؤمنات ، وقوله : وما ملكت يمينك مما أفاء الله عليك [ 33 \ 50 ] ، وقوله : والصاحب بالجنب وابن السبيل وما ملكت أيمانكم [ 4 \ 36 ] ، وقوله : والذين هم لفروجهم حافظون إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم [ 23 \ 5 ، 6 ] ، في الموضعين ، فجعل ملك اليمين قسما آخر غير الزوجية . وقوله : والذين يبتغون الكتاب مما ملكت أيمانكم [ 24 \ 33 ] ، فهذه الآيات تدل على أن المراد بما ملكت أيمانكم الإماء دون المنكوحات كما هو ظاهر ، وكذلك الوجه الثاني غير ظاهر ; لأن المعنى عليه : وحرمت عليكم الحرائر إلا ما ملكت أيمانكم ، وهذا خلاف الظاهر من معنى لفظ الآية كما ترى .

                                                                                                                                                                                                                                      وصرح ابن القيم بأن هذا القول مردود لفظا ومعنى ، فظهر أن سياق الآية يدل على المعنى الذي اخترنا ، كما دلت عليه الآيات الأخر التي ذكرنا ، ويؤيده سبب النزول ; لأن سبب نزولها كما أخرجه مسلم في " صحيحه " والإمام أحمد ، وأبو داود ، والترمذي ، والنسائي ، وابن ماجه ، وعبد الرزاق عن أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه - قال : أصبنا سبيا من سبي أوطاس ولهن أزواج فكرهنا أن نقع عليهن ولهن أزواج ، فسألنا النبي - صلى الله عليه وسلم - فنزلت هذه الآية : والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم [ 4 \ 24 ] ، فاستحللنا فروجهن .

                                                                                                                                                                                                                                      وروى الطبراني عن ابن عباس أنها نزلت في سبايا خيبر ، ونظير هذا التفسير الصحيح قول الفرزدق :

                                                                                                                                                                                                                                      [ الطويل ]

                                                                                                                                                                                                                                      وذات حليل أنكحتها رماحنا حلال لمن يبني بها لم تطلق



                                                                                                                                                                                                                                      التالي السابق


                                                                                                                                                                                                                                      الخدمات العلمية