الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

الحديث التاسع والثلاثون إن الله تجاوز لي عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

[ ص: 361 ] الحديث التاسع والثلاثون عن ابن عباس رضي الله عنهما ، أن رسول صلى الله عليه وسلم قال : إن الله تجاوز لي عن أمتي الخطأ والنسيان ، وما استكرهوا عليه . حديث حسن رواه ابن ماجه والبيهقي وغيرهما .

التالي السابق


هذا الحديث خرجه ابن ماجه من طريق الأوزاعي ، عن عطاء ، عن ابن عباس ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، وخرجه ابن حبان في " صحيحه " والدارقطني ، وعندهما : عن الأوزاعي ، عن عطاء ، عن عبيد بن عمير ، عن ابن عباس ، عن النبي صلى الله عليه وسلم . وهذا إسناد صحيح في ظاهر الأمر ، ورواته كلهم محتج بهم في " الصحيحين " وقد خرجه الحاكم ، وقال : صحيح على شرطهما . كذا قال ، ولكن له علة ، وقد أنكره الإمام أحمد جدا ، وقال : ليس يروى فيه إلا عن الحسن ، عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسلا . وقيل لأحمد : إن الوليد بن مسلم روى عن مالك ، عن نافع ، عن ابن عمر مثله ، فأنكره أيضا . [ ص: 362 ] وذكر لأبي حاتم الرازي حديث الأوزاعي ، وحديث مالك ، وقيل له : إن الوليد روى أيضا عن ابن لهيعة عن موسى بن وردان ، عن عقبة بن عامر ، عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله ، فقال أبو حاتم : هذه أحاديث منكرة كأنها موضوعة ، وقال : لم يسمع الأوزاعي هذا الحديث من عطاء ، وإنما سمعه من رجل لم يسمه ، أتوهم أنه عبد الله بن عامر ، أو إسماعيل بن مسلم ، قال : ولا يصح هذا الحديث ، ولا يثبت إسناده . قلت : وقد روي عن الأوزاعي ، عن عطاء ، عن عبيد بن عمير مرسلا من غير ذكر ابن عباس ، وروى يحيى بن سليم ، عن ابن جريج ، قال : قال عطاء : بلغني أن رسول الله صلى عليه وسلم قال : إن الله تجاوز لأمتي عن الخطأ والنسيان ، وما استكرهوا عليه خرجه الجوزجاني ، وهذا المرسل أشبه . وقد ورد من وجه آخر عن ابن عباس مرفوعا رواه مسلم بن خالد الزنجي عن سعيد العلاف ، عن ابن عباس ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : تجوز لأمتي عن ثلاث : عن الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه خرجه الجوزجاني . وسعيد العلاف : هو سعيد بن أبي صالح ، قال أحمد : هو مكي ، قيل له : كيف حاله ؟ قال : لا أدري وما علمت أحدا روى عنه غير مسلم بن خالد ، قال أحمد : وليس هذا مرفوعا ، إنما هو عن ابن عباس قوله . نقل ذلك عنه مهنا ، ومسلم بن خالد ضعفوه . [ ص: 363 ] وروي من وجه ثالث من رواية بقية بن الوليد ، عن علي الهمداني ، عن أبي جمرة عن ابن عباس مرفوعا ، خرجه حرب ، ورواية بقية عن مشايخه المجاهيل لا تساوي شيئا . وروي من وجه رابع خرجه ابن عدي من طريق عبد الرحيم بن زيد العمي عن أبيه عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، وعبد الرحيم هذا ضعيف . وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم من وجوه أخر ، وقد تقدم أن الوليد بن مسلم رواه عن مالك ، عن نافع ، عن ابن عمر مرفوعا ، وصححه الحاكم وغربه ، وهو عند حذاق الحفاظ باطل على مالك ، كما أنكره الإمام أحمد وأبو حاتم ، وكانا يقولان عن الوليد : إنه كثير الخطأ . ونقل أبو عبيد الآجري عن أبي داود ، قال روى الوليد بن مسلم عن مالك عشرة أحاديث ليس لها أصل ، منها عن نافع أربعة . قلت : والظاهر أن منها هذا الحديث ، والله أعلم . وخرجه الجوزجاني من رواية يزيد بن ربيعة سمعت أبا الأشعث يحدث عن ثوبان عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : إن الله عز وجل تجاوز عن أمتي عن ثلاثة : عن الخطأ والنسيان وما أكرهوا عليه . ويزيد بن ربيعة ضعيف جدا . [ ص: 364 ] وخرج ابن أبي حاتم من رواية أبي بكر الهذلي ، عن شهر بن حوشب ، عن أم الدرداء ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : إن الله تجاوز لأمتي عن ثلاث : عن الخطأ والنسيان والاستكراه قال أبو بكر : فذكرت ذلك للحسن ، فقال أجل ، أما تقرأ بذلك قرآنا : ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا [ البقرة : 286 ] . وأبو بكر الهذلي متروك الحديث . وخرجه ابن ماجه ، ولكن عنده عن شهر ، عن أبي ذر الغفاري ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : إن الله تجاوز لي عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه ولم يذكر كلام الحسن . وأما الحديث المرسل عن الحسن ، فرواه عنه هشام بن حسان ، ورواه منصور ، وعوف عن الحسن من قوله ، لم يرفعه ، ورواه جعفر بن جسر بن فرقد ، عن أبيه ، عن الحسن ، عن أبي بكرة مرفوعا ، وجعفر وأبوه ضعيفان . [ ص: 365 ] قال محمد بن نصر المروزي : ليس لهذا الحديث إسناد يحتج به حكاه البيهقي . وفي " صحيح مسلم " عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس قال : لما نزل قوله تعالى : ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا [ البقرة : 286 ] قال الله : قد فعلت . وعن العلاء ، عن أبيه ، عن أبي هريرة أنها لما نزلت ، قال : نعم ، وليس واحد منهما مصرحا برفعه . وخرج الدارقطني من رواية ابن جريج ، عن عطاء ، عن أبي هريرة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : إن الله تجاوز عن أمتي ما حدثت به أنفسها ، وما أكرهوا عليه ، إلا أن يتكلموا به أو يعملوا ، وهو لفظ غريب . وقد خرجه النسائي ولم يذكر الإكراه . وكذا رواه ابن عيينة عن مسعر ، عن قتادة ، عن زرارة بن أوفى ، عن أبي هريرة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، وزاد فيه : وما استكرهوا عليه خرجه ابن ماجه . وقد أنكرت هذه الزيادة على ابن عيينة ، ولم يتابعه عليها أحد . والحديث مخرج من رواية قتادة في " الصحيحين " والسنن والمسانيد بدونها . [ ص: 366 ] ولنرجع إلى شرح حديث ابن عباس المرفوع ، فقوله : إن الله تجاوز لي عن أمتي الخطأ والنسيان إلى آخره تقديره : إن الله رفع لي عن أمتي الخطأ ، أو ترك ذلك عنهم ، فإن " تجاوز " لا يتعدى بنفسه . وقوله : الخطأ والنسيان ، وما استكرهوا عليه . فأما الخطأ والنسيان ، فقد صرح القرآن بالتجاوز عنهما ، قال الله تعالى : ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا [ البقرة : 286 ] ، وقال : وليس عليكم جناح فيما أخطأتم به ولكن ما تعمدت قلوبكم [ الأحزاب : 5 ] . وفي " الصحيحين " عن عمرو بن العاص سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول : إذا حكم الحاكم ، فاجتهد ثم أصاب فله أجران ، وإذا حكم فاجتهد فأخطأ ، فله أجر . وقال الحسن : لولا ما ذكر الله من أمر هذين الرجلين - يعني داود وسليمان - لرأيت أن القضاة قد هلكوا ، فإنه أثنى على هذا بعمله ، وعذر هذا باجتهاده : يعني قوله : وداود وسليمان إذ يحكمان في الحرث إذ نفشت فيه غنم القوم [ الأنبياء : 78 ] الآية . وأما الإكراه فصرح القرآن أيضا بالتجاوز عنه ، قال تعالى : من كفر بالله من بعد إيمانه إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان [ النحل : 106 ] ، وقال تعالى : لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين ومن يفعل ذلك فليس من الله في شيء إلا أن تتقوا منهم تقاة [ آل عمران : 28 ] الآية .

تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث