الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

رسالة إلى المنسوبين إلى التشيع وغيرهم في العراق ومشهد المنتظر

[ ص: 67 ] رسالة إلى المنسوبين إلى التشيع

وغيرهم في العراق ومشهد المنتظر [ ص: 68 ] بسم الله الرحمن الرحيم

قال الشيخ الإمام العالم فريد عصره، مفتي الفرق، شيخ الإسلام تقي الدين أبو العباس أحمد بن الشيخ الإمام العالم شهاب الدين عبد الحليم بن الشيخ الإمام العلامة مجد الدين عبد السلام ابن تيمية -رضي الله عنه وأرضاه وأعلى درجته-:

هذا الكتاب إلى من يصل إليه من الإخوان المؤمنين، الذين يتولون الله ورسوله والذين آمنوا إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون ومن يتول الله ورسوله والذين آمنوا فإن حزب الله هم الغالبون ، الذين يحبون الله ورسوله ومن أحبه الله ورسوله، ويعرفون من حق المتصلين برسول الله ما شرعه الله ورسوله، فإن من محبة الله وطاعته محبة رسوله وطاعته، ومن محبة رسوله وطاعته محبة من أحبه الرسول وطاعة من أمر الرسول بطاعته، كما قال تعالى: يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا .

وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "من أطاعني فقد أطاع الله، ومن أطاع أميري فقد أطاعني، ومن عصاني فقد عصى الله، ومن عصى أميري فقد عصاني" . [ ص: 70 ]

وقال - صلى الله عليه وسلم - فيما رواه عنه أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه: "إنما الطاعة في المعروف" .

وقال: "لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق" .

سلام عليكم ورحمة الله وبركاته، فإنا نحمد إليكم الله الذي لا إله إلا هو، وهو للحمد أهل وهو على كل شيء قدير، ونصلي على إمام المتقين وخاتم النبيين محمد عبده ورسوله، صلى الله عليه وسلم تسليما كثيرا.

أما بعد، فإن الله سبحانه وتعالى بعث محمدا بالكتاب والحكمة، ليخرج الناس من الظلمات إلى النور بإذن ربهم إلى صراط العزيز الحميد ، وقال الله تعالى: لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين ، وقال تعالى: واذكروا نعمت الله عليكم وما أنزل عليكم من الكتاب والحكمة يعظكم به ، وقال لأزواج نبيه: واذكرن ما يتلى في بيوتكن من آيات الله والحكمة . [ ص: 71 ]

والذي كان يتلوه هو ورسوله - صلى الله عليه وسلم - في بيوت أزواجه: كتاب الله والحكمة، فكتاب الله هو القرآن، والحكمة هي ما كان يذكره من كلامه، وهي سنته. فعلى المسلمين أن يتعلموا هذا وهذا.

وفي الحديث المشهور الذي رواه الترمذي وغيره عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "ستكون فتنة"، قلت: فما المخرج منها يا رسول الله؟ قال: "كتاب الله، فيه نبأ ما قبلكم، وخبر ما بعدكم، وحكم ما بينكم، هو الفصل ليس بالهزل، من تركه من جبار قصمه الله، ومن ابتغى الهدى في غيره أضله الله، وهو حبل الله المتين، وهو الذكر الحكيم، وهو الصراط المستقيم، وهو الذي لا تزيغ به الأهواء، ولا تلتبس به الألسن، ولا يخلق على كثرة الرد، ولا تنقضي عجائبه. من قال به صدق، ومن عمل به أجر، ومن حكم به عدل، ومن دعا إليه هدي إلى صراط مستقيم".

وقال الله تعالى في كتابه: واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا ، وقال في كتابه: إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا لست منهم في شيء .

فذم الذين تفرقوا فصاروا أحزابا وشيعا، وحمد الذين اتفقوا وصاروا [ ص: 72 ] جميعا معتصمين بحبل الله الذي هو كتابه شيعة واحدة للأنبياء، كما قال تعالى: وإن من شيعته لإبراهيم . وإبراهيم هو إمام الأنبياء، كما قال تعالى: وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن قال إني جاعلك للناس إماما قال ومن ذريتي قال لا ينال عهدي الظالمين ، وقال تعالى: إن إبراهيم كان أمة قانتا لله حنيفا ولم يك من المشركين إلى أن قال: ثم أوحينا إليك أن اتبع ملة إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين .

وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - يعلم أمته أن يقولوا إذا أصبحوا: "أصبحنا على فطرة الإسلام وكلمة الإخلاص، ودين نبينا محمد - صلى الله عليه وسلم -، وملة أبينا إبراهيم حنيفا مسلما وما كان من المشركين" .

وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "ألا إني أوتيت الكتاب ومثله معه، فلا ألفين رجلا شبعان على أريكته يقول: بيننا وبينكم هذا القرآن، فما وجدنا فيه من حلال حللناه، وما وجدنا فيه من حرام حرمناه. إلا إني أوتيت الكتاب ومثله معه" .

فهذا الحديث موافق لكتاب الله، فإن الله ذكر في كتابه أنه - صلى الله عليه وسلم - [ ص: 73 ] يتلو الكتاب والحكمة، وهي التي أوتيها مع الكتاب، وقد أمر في كتابه بالاعتصام بحبله جميعا، ونهى عن التفرق والاختلاف، و [أمر] أن نكون شيعة واحدة لا شيعا متفرقين. وقال الله تعالى في كتابه: وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله فإن فاءت فأصلحوا بينهما بالعدل وأقسطوا إن الله يحب المقسطين . فجعل المؤمنين إخوة، وأمر بالإصلاح بينهم بالعدل مع وجود الاقتتال والبغي.

وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر" . وقال: "المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا"، وشبك بين أصابعه .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث