الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

من جحد وجوب الصلاة

جزء التالي صفحة
السابق

ومن جحد وجوبها كفر ، فإن تركها تهاونا لا جحودا ، دعي إلى فعلها ، فإن أبى حتى تضايق وقت التي بعدها ، وجب قتله ، وعنه : لا يقتل حتى يترك ثلاثا ، ويضيق وقت الرابعة ، ولا يقتل حتى يستتاب ثلاثا ، فإن تاب قبل منه ، وإلا قتل بالسيف ، وهل يقتل حدا أو لكفره ؛ على روايتين .

التالي السابق


( ومن جحد وجوبها كفر ) إذا كان ممن لا يجهله كالناشئ بين المسلمين في الأمصار ، زاد ابن تميم : وإن فعلها ، لأنه لا يجحدها إلا تكذيبا لله ورسوله ، وإجماع الأمة ، ويصير مرتدا بغير خلاف نعلمه ، وإن ادعى الجهل كحديث الإسلام ، والناشئ ببادية عرف وجوبها ، ولم يحكم بكفره ، لأنه معذور فإن قال أنسيتها قيل : له صل الآن ، وإن قال : أعجز عنها لعذر ، أعلم أنه يجب عليه أن يصلي على حسب حاله ( فإن تركها تهاونا ) وكسلا ( لا جحودا ( دعي إلى فعلها ) لاحتمال أنه تركها لعذر يعتد سقوطه بمثله كالمرض ، ونحوه ، والداعي له الإمام ، ومن في حكمه ، ويهدد فيقول له : إن صليت وإلا قتلناك ، وذلك في وقت كل صلاة ( فإن أبى حتى تضايق وقت التي بعدها وجب قتله ) نص عليه ، واختاره الأكثر لقوله تعالى فاقتلوا المشركين إلى قوله فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم [ التوبة 5 ] فمتى ترك الصلاة لم يأت بشرط التخلية فيبقى على إباحة القتل ، ولقوله عليه السلام : من ترك الصلاة متعمدا فقد برئت منه ذمة الله ورسوله رواه أحمد بإسناده عن مكحول ، وهو مرسل جيد ، ولأنها من أركان الإسلام ، لا تدخلها النيابة ، فقتل تاركها كالشهادتين ، ومراده حتى [ ص: 306 ] تضايق وقت الثانية عنها ، صرح به في " الوجيز " وقيل : عنهما ، قاله في " الرعاية " وعنه : يجب قتله بدخول وقت الثانية ، وإن لم يضق ، قدمه ابن تميم ، واختاره المجد قال في " الفروع " وهي أظهر لمفهوم النهي عن قتل المصلين ، قال ابن حمدان : إن وجب القضاء على الفور ، واختاره أبو إسحاق بن شاقلا إلا الأولى من المجموعتين ، لأن وقتهما مع العذر واحد ، وحسنه في " المغني " وظاهره : أنه إذا لم يدع إليها لم يكفر ، ولم يقتل بحال .

( وعنه : لا يقتل حتى يترك ثلاثا ) أي : ثلاث صلوات ( ويضيق وقت الرابعة ) قدمه في " التلخيص " لأنه قد يترك الثلاث لشبهة ، فإذا ترك الرابعة انتفت فيقتل ، والأصح حتى يضيق وقت الرابعة عنها ، وقيل : بل عنهن ، وفي " المبهج " و " الواضح " و " تبصرة الحلواني " ورواية : ثلاثة أيام قتل وجوبا بضرب عنقه ( ولا يقتل حتى يستتاب ثلاثا ) أي : ثلاثة أيام وجوبا في الأشهر ، ويضيق عليه ، لأنه يقتل لترك واجب ، فتقدمته الاستتابة كالمرتد ، وذكر القاضي أنه يضرب ، وينبغي الإشاعة عنه بتركها حتى يصلي ، ولا ينبغي السلام عليه ، ولا إجابة دعوته ، قاله الشيخ تقي الدين ( فإن تاب قبل منه ) كغيره ويصير مسلما بالصلاة ، نقل صالح : توبته أن يصلي ، وصوبه الشيخ تقي الدين ، لأن كفره بالامتناع كإبليس ، وتارك الصلاة ، وصحتها قبل الشهادتين ، كمرتد ، وظاهره أنه متى راجع الإسلام لم يقض مدة امتناعه كغيره من المرتدين لعموم الأدلة ، وقدم في " الفروع " وهو ظاهر كلام جماعة منهم خلافه ( وإلا قتل بالسيف ) يضرب به عنقه لقول النبي - صلى الله عليه وسلم - : إذا قتلتم فأحسنوا القتلة رواه مسلم أي : الهيئة من القتل .

[ ص: 307 ] ( وهل يقتل حدا أو لكفره ؛ على روايتين ) أشهرهما أنه يقتل كفرا ، وهي ظاهر المذهب ، واختارها الأكثر لما روى جابر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : بين الرجل والكفر ترك الصلاة رواه مسلم ، وروى بريدة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : من تركها فقد كفر رواه الخمسة ، وصححه الترمذي ، وروى عبادة مرفوعا : من ترك الصلاة متعمدا فقد خرج من الملة رواه الطبراني بإسناد جيد ، وقال عمر : لا حظ في الإسلام لمن ترك الصلاة .

ولأنه يدخل بفعلها في الإيمان ، فيخرج بتركها منه ، كالشهادتين ، فعليها حكمه حكم الكفار من أنه لا يغسل ، ولا يصلى عليه ، ولا يدفن في مقابر المسلمين ، وذكر القاضي : يدفن منفردا ، وذكر الآجري : من قتل مرتدا ترك بمكانه ، ولا يدفن ، ولا كرامة ، وتبين منه زوجته قبل الدخول ، وكذا بعده إن لم يتب ويصلي في الأشهر ، والثانية : يقتل حدا قدمها في " المحرر " وابن تميم ، واختارها ابن بطة ، وذكر أنها المذهب ، قال في " المغني " : وهي أصوب القولين ، وجزم بها في " الوجيز " للعمومات ، منها قوله عليه السلام : أسعد الناس بشفاعتي من قال : لا إله إلا الله مخلصا من قلبه رواه البخاري ، وقال : إني اختبأت دعوتي شفاعتي لأمتي يوم القيامة ، فهي إن شاء الله تعالى نائلة من مات لا يشرك بالله شيئا رواه مسلم ، وحديث عبادة رواه أحمد وغيره ، وصححه ابن حبان ، وابن عبد البر ، ولأنها عبادة تحكم بإسلام الكافر ، فلم يكفر بتركها ، كالزكاة ، والحج ، وهو إجماع حكاه في " الشرح " وفيه نظر ، وأجيب عما تقدم : على كفر النعمة أو على معنى قارب الكفر ، فعليها حكمه كأهل الكبائر ، فتنعكس الأحكام السابقة ، لأنه مسلم ، قال بعضهم : وإذا دفن مع المسلمين طمس قبره ، حتى ينسى ، [ ص: 308 ] وحكى النووي في شرح البخاري عن بعضهم : أنه لا يرفع قبره ، ولا يدفن في مقابر المسلمين تحقيرا له ، وزجرا لأمثاله ، وهو غريب .

فرع : الجمعة كغيرها ، وقيل : إن اعتقد وجوبها ، وصلى ظهرا أربعا ، وقلنا : هي ظهر مقصورة ، لم يكفر .

تنبيه : إذا ترك شرطا أو ركنا مجمعا عليه ، كالطهارة فكتركها ، وكذا مختلفا فيه يعتقد وجوبه ، ذكره ابن عقيل ، وخالف فيه المؤلف ، وأنه لا يكفر بترك غيرها من زكاة ، وصوم ، وحج يحرم تأخيره تهاونا ، وكسلا ، اختاره الأكثر ، وذكر ابن شهاب أنه ظاهر المذهب ، ويقتل على الأصح ، وسيأتي .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث