الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب خوف المؤمن من أن يحبط عمله وهو لا يشعر

(باب خوف المؤمن من أن يحبط عمله وهو لا يشعر)

التالي السابق


الكلام فيه على أنواع، الأول أن قوله: "باب" مرفوع مضاف إلى ما بعده تقديره هذا باب في بيان خوف المؤمن من أن يحبط عمله، وكلمة أن مصدرية تقديره: من حبط عمله، وليس في بعض النسخ كلمة "من"، وهي وإن لم تكن موجودة لكنها مقدرة إذ المعنى عليها، قوله: "يحبط" على صيغة المعلوم من حبط عمله يحبط حبطا وحبوطا من باب علم يعلم، وقال أبو زيد: حبط بالفتح، وقرئ: "فقد حبط عمله" بفتح الباء وهو البطلان، قال الكرماني: فإن قلت: القول بإحباط المعاصي للطاعات من قواعد الاعتزال، فما وجه قول البخاري هذا؟ قلت: هذا الإحباط ليس بذاك لأن المراد به الإحباط بالكفر أو بعدم الإخلاص ونحوه، وقال النووي: المراد بالحبط نقصان الإيمان وإبطال بعض العبادات لا الكفر فإن الإنسان لا يكفر إلا بما يعتقده أو يفعل عالما بأنه يوجب الكفر، قلت: فيه نظر لأن الجمهور على أن الإنسان يكفر بكلمة الكفر، وبالفعل الموجب للكفر، وإن لم يعلم أنه كفر، قوله: "يحبط عمله" المراد ثواب عمله فالمضاف فيه محذوف، قوله: "وهو لا يشعر" جملة اسمية وقعت حالا من شعر يشعر من باب نصر ينصر، وفي العباب: شعرت بالشيء بالفتح أشعر به بالضم شعرا وشعرة وشعرى بالكسر فيهن وشعرة بالفتح، وشعورا ومشعورا ومشعورة علمت به، وفطنت له، ومنه قولهم: ليت شعري، الثاني: وجه المناسبة بين البابين من حيث إن المذكور في الباب الأول هو أن حصول الثواب بالقيراطين أو بقيراط الذي هو مثل جبل أحد إنما يحصل إذا كان عمله احتسابا خالصا لله تعالى، وفي هذا الباب ما يشير إلى أنه قد يعرض للعامل ما يحبط عمله فيحرم بسببه الثواب الموعود وهو لا يشعر، وفي نفس الأمر ذكر هذا الباب استطرادي لأجل التنبيه على ما ذكرنا، وإلا كان المناسب أن يذكر عقيب الباب السابق باب أداء الخمس من الإيمان، لأن الأبواب المعقودة هاهنا في بيان شعب الإيمان، الثالث: ذكر النووي أن مراد البخاري بهذا الباب الرد على المرجئة في قولهم: إن الله لا يعذب على شيء من المعاصي، ممن قال: لا إله إلا الله ولا يحبط شيء من أعماله بشيء من الذنوب، وإن إيمان المطيع والعاصي سواء، فذكر في صدر الباب أقوال أئمة التابعين، وما نقلوه عن الصحابة رضي الله عنهم وهو كالمشير إلى أنه لا خلاف بينهم فيه، وأنهم مع اجتهادهم المعروف خافوا أن لا ينجوا من عذاب الله تعالى وقال القاضي عياض: المرجئة أضداد الخوارج والمعتزلة، الخوارج تكفر بالذنوب، والمعتزلة يفسقون بها، وكلهم يوجب الخلود في النار، والمرجئة تقول: لا تضر الذنوب مع الإيمان، وغلاتهم تقول: يكفي التصديق بالقلب وحده، [ ص: 275 ] ولا يضر عدم غيره، ومنهم من يقول: يكفي التصديق بالقلب والإقرار باللسان، وقال غيره: إن من المرجئة من وافق القدرية كالصالحي والخالدي، ومنهم من قال بالإرجاء دون القدر وهم خمس فرق كفر بعضهم بعضا، والمرجئة بضم الميم وكسر الجيم وبهمزة مشتق من الإرجاء، وهو التأخير، وقوله تعالى: "أرجئه وأخاه" أي أخره، والمرجئ من يؤخر العمل عن الإيمان والنية والقصد، وقيل: من الرجاء لأنهم يقولون: لا تضر مع الإيمان معصية كما لا تنفع مع الكفر طاعة، وقيل: مأخوذ من الإرجاء بمعنى تأخير حكم الكبيرة فلا يقضى لها بحكم في الدنيا.



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث