الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

[ ص: 126 ] النوع الثاني والثلاثون

معرفة أحكامه

وقد اعتنى الأئمة بذلك وأفردوه ، وأولهم الشافعي ، ثم تلاه من أصحابنا إلكيا الهراسي ، ومن الحنفية : أبو بكر الرازي ، ومن المالكية : القاضي [ ص: 127 ] إسماعيل ، وبكر بن العلاء القشيري ، وابن بكير ، ومكي ، وابن العربي ، وابن الفرس [ ص: 128 ] [ وغيرهم ] ، ومن الحنابلة : القاضي أبو يعلى الكبير .

[ ص: 129 ] [ ص: 130 ] ثم قيل : إن آيات الأحكام خمسمائة آية ، وهذا ذكره الغزالي وغيره ، وتبعهم الرازي ; ولعل مرادهم المصرح به ; فإن آيات القصص والأمثال وغيرها يستنبط منها كثير من الأحكام ، ومن أراد الوقوف على ذلك فليطالع كتاب " الإمام " للشيخ عز الدين بن عبد السلام .

ثم هو قسمان : أحدهما : ما صرح به في الأحكام ; وهو كثير ، وسورة البقرة والنساء والمائدة والأنعام مشتملة على كثير من ذلك ; والثاني : ما يؤخذ بطريق الاستنباط ، ثم هو على نوعين :

أحدهما : ما يستنبط من غير ضميمة إلى آية أخرى ، كاستنباط الشافعي تحريم الاستمناء باليد من قوله تعالى : إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم ( المؤمنون : 6 ) إلى قوله : فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون ( الآية : 7 ) ، واستنباط صحة [ ص: 131 ] أنكحة الكفار من قوله تعالى : امرأة فرعون ( التحريم : 11 ) ، وامرأته حمالة الحطب ( المسد : 4 ) ونحوه ، واستنباطه عتق الأصل والفرع بمجرد الملك من قوله تعالى : وما ينبغي للرحمن أن يتخذ ولدا إن كل من في السماوات والأرض إلا آتي الرحمن عبدا ( مريم : 92 و 93 ) ، فجعل العبودية منافية للولادة حيث ذكرت في مقابلتها ; فدل على أنهما لا يجتمعان ، واستنباطه حجية الإجماع من قوله : ويتبع غير سبيل المؤمنين ( النساء : 115 ) واستنباطه صحة صوم الجنب من قوله تعالى : فالآن باشروهن ( البقرة : 187 ) إلى قوله : حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر ( البقرة : 187 ) ، فدل على جواز الوقاع في جميع الليل ، ويلزم منه تأخير الغسل إلى النهار ; وإلا لوجب أن يحرم الوطء في آخر جزء من الليل بمقدار ما يقع الغسل فيه .

والثاني : ما يستنبط مع ضميمة آية أخرى ، كاستنباط علي وابن عباس رضي الله عنهما أن أقل الحمل ستة أشهر من قوله تعالى : وحمله وفصاله ثلاثون شهرا ( الأحقاف : 15 ) مع قوله : وفصاله في عامين ( لقمان : 14 ) ; وعليه جرى الشافعي ، واحتج بها أبو حنيفة على أن أكثر الرضاع سنتان ونصف ( ثلاثون شهرا ) ووجهه أن الله تعالى قدر لشيئين مدة واحدة فانصرفت المدة بكمالها إلى كل واحد منهما ، فلما قام النص في أحدهما بقي الباقي على أصله ، ومثل ذلك بالأجل الواحد للمدينين ; فإنه مضروب بكماله لكل واحد منهما ، وأيضا فإنه لا بد من اعتبار مدة يبقى فيها الإنسان بحيث يتغير إلفه ، فاعتبرت مدة يعتاد الصبي فيها غذاء طبيعيا غير اللبن ، ومدة الحمل قصيرة ، فقدمت الزيادة على الحولين .

فإن قيل : العادة الغالبة في مدة الحمل تسعة أشهر ، وكان المناسب في مقام الأسنان ذكر الأكثر المعتاد ، لا الأقل النادر ، كما في جانب الفصال .

قلنا : لأن هذه المدة أقل مدة الحمل ، ولما كان الولد لا يعيش غالبا إذا وضع لستة أشهر ، كانت مشقة الحمل في هذه المدة موجودة لا محالة في حق كل مخاطب ، فكان ذكره [ ص: 132 ] أدخل في باب المناسبة ، بخلاف الفصال ، لأنه لا حد لجانب القلة فيه ، بل يجوز أن يعيش الولد بدون ارتضاع من الأم ; ولهذا اعتبر فيه الأكثر ، لأنه الغالب ، ولأنه اختياري ; كأنه قيل : حملته ستة أشهر لا محالة ، إن لم تحمله أكثر .

ومثله استنباط الأصوليين أن تارك الأمر يعاقب من قوله تعالى : أفعصيت أمري ( طه : 93 ) مع قوله : ومن يعص الله ورسوله فإن له نار جهنم ( الجن : 23 ) ، وكذلك استنباط بعض المتكلمين أن الله خالق لأفعال العباد ; من قوله تعالى : وما تشاءون إلا أن يشاء الله ( الدهر : 30 ) ، مع قوله تعالى : وربك يخلق ما يشاء ويختار ( القصص : 68 ) ; فإذا ثبت أنه يخلق ما يشاء ، وأن مشيئة العبد لا تحصل إلا إذا شاء الله ، أنتج أنه تعالى خالق لمشيئة العبد .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث