الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

وفيها توفي من الأعيان :

الملك الفائز

غياث الدين إبراهيم بن العادل ،
كان قد انتظم له الأمر في الملك بعد أبيه ، على الديار المصرية على يدي الأمير عماد الدين بن المشطوب ، لولا أن الكامل تدارك ذلك سريعا ، ثم أرسله أخوه في هذه السنة إلى أخيهما الأشرف موسى يستحثه في سرعة المسير إليهم بسبب الفرنج ، فمات بين سنجار [ ص: 101 ] والموصل ، وقيل : إنه سم ، فرد إلى سنجار ، فدفن بها ، رحمه الله تعالى .

شيخ الشيوخ صدر الدين

أبو الحسن محمد بن شيخ الشيوخ عماد الدين عمر بن حمويه الجويني ،
من بيت رياسة وإمرة عند بني أيوب ، وقد كان صدر الدين هذا فقيها فاضلا ، درس بالشافعي وبمشهد الحسين ، وولي مشيخة سعيد السعداء والنظر فيها ، وكانت له حرمة وافرة عند الملوك ، أرسله الكامل إلى الخليفة يستنصره على الفرنج ، فمات بالموصل بالإسهال ، ودفن بها عند قضيب البان عن ثلاث وسبعين سنة .

صاحب حماة الملك المنصور محمد بن الملك المظفر تقي الدين عمر بن شاهنشاه بن أيوب ، وكان فاضلا له تاريخ في عشر مجلدات سماه المضمار ، وكان شجاعا فارسا ، فقام بالملك بعده والده الناصر قليج أرسلان ، ثم عزله عنها الكامل ، وحبسه حتى مات - رحمه الله تعالى - وولى أخاه المظفر بن المنصور .

صاحب آمد الملك الصالح ناصر الدين محمود بن محمد بن قرا أرسلان بن أرتق ، وكان شجاعا محبا للعلماء ، وكان مصاحبا للأشرف [ ص: 102 ] موسى بن العادل يجيء إلى خدمته مرارا ، وملك بعده ولده الملك المسعود ، وكان بخيلا فاسقا ، فأخذ الكامل آمد ، وحبسه بمصر ثم أطلقه ، فأخذ أمواله ، وسار إلى التتار فأخذت منه .

الشيخ عبد الله اليونيني

الملقب أسد الشام ،
رحمه الله ورضي عنه ، من قرية ببعلبك ، يقال لها : يونين . وكانت له زاوية يقصد فيها للزيارة ، وكان من الصالحين الكبار المشهورين بالعبادة والرياضة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر . له همة عالية في الزهد والورع ، بحيث إنه كان لا يقتني شيئا ، ولا يملك مالا ولا ثيابا ، بل يلبس عارية ، ولا يتجاوز قميصا في الصيف ، وفروة فوقه في الشتاء ، وعلى رأسه قبعا من جلود المعز ، شعره إلى ظاهر ، وكان لا ينقطع عن غزاة من الغزوات ، ويرمي عن قوس زنته ثمانون رطلا ، وكان يجاور في بعض الأحيان بجبل لبنان ، ويأتي في الشتاء إلى عيون الفاسريا في سفح الجبل المطل على قرية دومة شرقي دمشق ، لأجل سخونة الماء ، فيقصده الناس للزيارة هناك ، ويجيء تارة إلى دمشق ، فينزل بسفح قاسيون عند المقادسة ، وكانت له أحوال [ ص: 103 ] ومكاشفات صالحة . وكان يقال له : أسد الشام .

حكى الشيخ أبو المظفر سبط ابن الجوزي عن القاضي جمال الدين يعقوب الحاكم بكرك البقاع ، أنه شاهد مرة الشيخ عبد الله ، وهو يتوضأ من ثورا عند الجسر الأبيض ، إذ مر نصراني ومعه حمل بغل خمرا ، فعثرت الدابة عند الجسر ، فسقط الحمل فرأى الشيخ وقد فرغ من وضوئه ، ولا يعرفه ، واستعان به على رفع الحمل ، فاستدعاني الشيخ فقال : تعال يا فقيه فتساعدنا على تحميل ذلك الحمل على الدابة ، وذهب النصراني ، فتعجبت من ذلك وتبعت الحمل ، وأنا ذاهب إلى المدينة ، فانتهى به إلى العقيبة ، فأورده إلى الخمار بها ، فإذا هو خل ، فقال له الخمار : ويحك هذا خل . فقال النصراني : أنا أعرف من أين أتيت ، ثم ربط الدابة في الخان ، ورجع إلى الصالحية ، فسأل عن الشيخ ، فعرفه فجاء إليه ، فأسلم على يديه .

وله أحوال وكرامات كثيرة جدا ، وكان لا يقوم لأحد دخل إليه ، ويقول : إنما يقوم الناس لرب العالمين . وكان الأمجد إذا دخل عليه جلس بين يديه ، فيقول له : يا مجيد ، فعلت كذا وكذا . ويأمره بما يأمره ، وينهاه عما ينهاه عنه ، وهو يمتثل جميع ما يقوله له; وما ذاك إلا لصدقه في زهده وورعه وطريقه . وكان يقبل الفتوح ولا يدخر منه شيئا لغد ، وإذا اشتد جوعه أخذ من ورق [ ص: 104 ] اللوز ، ففركه واستفه ، ويشرب فوقه الماء البارد ، رحمه الله تعالى وأكرم مثواه .

وذكروا أنه كان يحج في بعض السنين في الهواء ، وقد وقع هذا لطائفة كبيرة من الزهاد وصالحي العباد ، ولم يبلغنا هذا عن أحد من أكابر العلماء ، وأول من يذكر عنه هذا حبيب العجمي ، وكان من أصحاب الحسن البصري ، ثم من بعده من الصالحين - رحمهم الله تعالى أجمعين - .

فلما كان يوم جمعة من عشر ذي الحجة من هذه السنة صلى الشيخ عبد الله اليونيني صلاة الجمعة بجامع بعلبك ، وكان قد دخل الحمام يومئذ قبل الصلاة وهو سوي صحيح ، فلما انصرف من الصلاة ، قال للشيخ داود المؤذن وكان يغسل الموتى : انظر كيف تكون غدا . ثم صعد الشيخ إلى زاويته ، فبات يذكر الله تعالى تلك الليلة ، ويتذكر أصحابه ومن أحسن إليه ولو بأدنى شيء ، ويدعو لهم ، فلما دخل وقت الصبح صلى بأصحابه ، ثم استند يذكر الله وفي يده سبحة ، فمات وهو كذلك جالس لم يسقط ، ولم تسقط السبحة من يده ، فلما انتهى الخبر إلى الملك الأمجد صاحب بعلبك ، جاء إليه ، فعاينه كذلك ، فقال : لو بنينا عليه بنيانا هكذا; ليشاهد الناس منه آية . فقيل له : ليس هذا من السنة . فنحي وغسل وكفن ، وصلي عليه ، ودفن تحت اللوزة التي كان يجلس تحتها يذكر الله تعالى ، رحمه الله ونور ضريحه .

وكانت وفاته يوم السبت ، وقد جاوز ثمانين سنة ، رحمه الله تعالى وأكرم مثواه ، وكان الشيخ محمد الفقيه اليونيني من جملة تلاميذه ، وممن يلوذ به ، وهو [ ص: 105 ] جد هؤلاء المشايخ بمدينة بعلبك .

أبو عبد الله الحسين بن محمد بن أبي بكر المجلي الموصلي

ويعرف بابن الجهني ، شاب فاضل ، ولي كتابة الإنشاء لبدر الدين لؤلؤ زعيم الموصل ، ومن شعره :


نفسي فداء الذي فكرت فيه وقد غدوت أغرق في بحر من العجب     يبدو بليل على صبح على قمر
على قضيب على وهم على كثب



التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث