الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


جزء التالي صفحة
السابق

كتاب الرضاع باب عدد الرضعات المحرمة [ ص: 367 ] عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال { : لا تحرم المصة ولا المصتان } رواه الجماعة إلا البخاري ) .

2957 - ( وعن أم الفضل { : أن رجلا سأل النبي صلى الله عليه وسلم : أتحرم المصة ؟ فقال : لا تحرم الرضعة والرضعتان ، والمصة والمصتان } وفي رواية قالت : { دخل أعرابي على نبي الله صلى الله عليه وسلم وهو في بيتي فقال : يا نبي الله إني كانت لي امرأة فتزوجت عليها أخرى فزعمت امرأتي الأولى أنها أرضعت امرأتي الحدثى رضعة أو رضعتين فقال النبي صلى الله عليه وسلم : لا تحرم الإملاجة ولا الإملاجتان } رواهما أحمد ومسلم ) .

2958 - ( وعن عبد الله بن الزبير أن النبي صلى الله عليه وسلم قال { : لا تحرم من الرضاعة المصة والمصتان } رواه أحمد والنسائي والترمذي ) .

التالي السابق


حديث عبد الله بن الزبير أخرجه أيضا ابن حبان وقال الترمذي : الصحيح عن أهل الحديث من رواية ابن الزبير عن عائشة كما في الحديث الأول ، وأعله ابن جرير الطبري بالاضطراب ، فإنه روي عن ابن الزبير عن أبيه ، وجمع ابن حبان بينهما بإمكان أن يكون ابن الزبير سمعه من كل منهم ، وفي الجمع بعد كما قال الحافظ . ورواه النسائي من حديث أبي هريرة . وقال ابن عبد البر : لا يصح مرفوعا

قوله : ( الرضعة ) هي المرة من الرضاع كضربة وجلسة وأكلة ، فمتى التقم الصبي الثدي فامتص منه ثم تركه باختياره لغير عارض كان ذلك رضعة .

وفي القاموس : رضع أمه كسمع وضرب رضعا ، ويحرك ، ورضاعا ورضاعة ، ويكسران ، ورضعا ككتف فهو راضع ، إلى أن قال : امتص ثديها ، ثم قال في مادة مصصته : إنه بمعنى شربته شربا رفيقا .

وفي الضياء أن المصة الواحدة [ ص: 368 ] من المص ، وهي أخذ اليسير من الشيء . قوله : ( الإملاجة ولا الإملاجتان ) الإملاجة : الإرضاعة الواحدة مثل المصة .

وفي القاموس : ملج الصبي أمه كنصر وسمع : تناول ثديها بأدنى فمه ، وامتلج اللبن : امتصه . وأملجه : أرضعه ، والمليج : الرضيع ، انتهى

والأحاديث المذكورة تدل على أن الرضعة الواحدة والرضعتين والمصة الواحدة والمصتين والإملاجة والإملاجتين ، لا يثبت بها حكم الرضاع الموجب للتحريم . وتدل هذه الأحاديث بمفهومها أن الثلاث من الرضعات أو المصات تقتضي التحريم . وقد حكى صاحب البحر هذا المذهب عن زيد بن ثابت وأبي ثور وابن المنذر ، انتهى . وحكاه في البدر التمام عن أبي عبيدة وداود الظاهري وأحمد في رواية ، ولكنه يعارض هذا المفهوم القاضي بأن ما فوق الاثنتين يقتضي التحريم ما سيأتي من أن الرضاع المقتضي للتحريم هو الخمس الرضعات ، وسيأتي تحقيق ذلك ، وذكر من قال به ، نعم هذه الأحاديث دافعة لقول من قال : إن الرضاع المقتضي للتحريم هو الواصل إلى الجوف ، ولا شك أن المصة الواحدة تصل إلى الجوف ، فكيف ما فوقها ؟ وسيأتي ذكر ما تمسكوا به

2959 - ( وعن عائشة أنها قالت { : كان فيما نزل من القرآن : عشر رضعات معلومات يحرمن ، ثم نسخن بخمس معلومات ، فتوفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهن فيم يقرأ من القرآن } رواه مسلم وأبو داود والنسائي وفي لفظ قالت { : وهي تذكر الذي يحرم من الرضاعة : نزل في القرآن عشر رضعات معلومات ، ثم نزل أيضا خمس معلومات ؟ } رواه مسلم ، وفي لفظ قال { : أنزل في القرآن : عشر رضعات معلومات ، فنسخ من ذلك خمس رضعات إلى خمس رضعات معلومات ، فتوفي رسول الله صلى الله عليه وسلم والأمر على ذلك } رواه الترمذي : وفي لفظ { : كان فيما أنزل الله عز وجل من القرآن ثم سقط : لا يحرم إلا عشر رضعات أو خمس معلومات } رواه ابن ماجه )

2960 - ( وعن عائشة : { أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر امرأة أبي حذيفة فأرضعت سالما خمس رضعات وكان يدخل عليها بتلك الرضاعة } رواه أحمد وفي رواية { : أن أبا حذيفة تبنى سالما وهو مولى لامرأة من الأنصار ، كما تبنى النبي صلى الله عليه وسلم زيدا ، وكان من تبنى رجلا في الجاهلية دعاه الناس ابنه وورث ميراثه ، حتى أنزل الله عز وجل { ادعوهم لآبائهم هو أقسط عند الله ، فإن لم تعلموا آباءهم فإخوانكم في الدين ومواليكم } فردوا إلى آبائهم ، فمن لم يعلم له أب فمولى وأخ في الدين ، فجاءت سهلة [ ص: 369 ] فقالت : يا رسول الله كنا نرى سالما ولدا يأوي معي ومع أبي حذيفة ويراني فضلا وقد أنزل الله عز وجل فيهم ما قد علمت ، فقال : أرضعيه خمس رضعات ، فكان بمنزلة ولده من الرضاعة } رواه مالك في الموطأ وأحمد )

حديث عائشة في قصة سالم أخرج الرواية منه النسائي عن جعفر بن ربيعة عن الزهري كتابة عن عروة عنها ورواه الشافعي في الأم عن مالك عن الزهري عن عروة مرسلا ورواه أيضا عبد الرزاق وأخرج الرواية الثانية عنها أبو داود ، وأخرجها أيضا البخاري في المغازي من صحيحه من طريق عقيل عن الزهري عن عروة عنها إلى قوله : " فجاءت سهلة النبي صلى الله عليه وسلم " قال : فذكر الحديث ولم يسق بقيته ، وساقها البيهقي في سننه من هذا الوجه كرواية أبي داود ، ورواها أيضا البخاري من رواية شعيب بن أبي حمزة عن الزهري عنها ، وساق منها إلى قوله : { وقد أنزل الله فيه ما قد علمت } قوله : ( معلومات ) فيه إشارة إلى أنه لا يثبت حكم الرضاع إلا بعد العلم بعدد الرضعات وأنه لا يكفي الظن بل يرجع معه ومع الشك إلى الأصل وهو العدم

قوله : ( وهن فيما يقرأ ) بضم الياء ، وفيه إشارة إلى أنه تأخر إنزال الخمس الرضعات ، فتوفي صلى الله عليه وسلم وهن قرآن يقرأ . قوله : ( فضلا ) بضم الفاء والضاد المعجمة قال الخطابي : أي مبتذلة في ثياب مهنتها ، انتهى . والفضل من الرجال والنساء : الذي عليه ثوب واحد بغير إزار وقال ابن وهب : أي مكشوف الرأس . وقد استدل بأحاديث الباب من قال : إنه لا يقتضي التحريم من الرضاع إلا خمس رضعات معلومات ، وقد تقدم تحقيق الرضعة ، وإلى ذلك ذهب ابن مسعود وعائشة وعبد الله بن الزبير وعطاء وطاوس وسعيد بن جبير وعروة بن الزبير والليث بن سعد والشافعي وأحمد في ظاهر مذهبه وإسحاق وابن حزم وجماعة من أهل العلم ، وقد روي هذا المذهب عن الإمام علي بن أبي طالب

وذهب الجمهور إلى أن الرضاع الواصل إلى الجوف يقتضي التحريم وإن قل وقد حكاه صاحب البحر عن الإمام علي رضي الله عنه وابن عباس وابن عمر والثوري والعترة وأبي حنيفة وأصحابه ومالك وزيد بن أوس ، انتهى .

وروي أيضا عن سعيد بن المسيب والحسن والزهري وقتادة والحكم وحماد والأوزاعي قال المغربي في البدر : وزعم الليث بن سعد أن المسلمين أجمعوا على أن قليل الرضاع وكثيره يحرم منه ما يفطر الصائم ، وهو رواية عن الإمام أحمد ، انتهى

وحكى ابن القيم عن الليث أنه لا يحرم إلا خمس رضعات كما قدمنا ذلك ، فينظر في المروي عنه من حكاية الإجماع فإنه يبعد كل البعد أن يحكي العالم الإجماع في مسألة ويخالفها وقد أجاب أهل القول الثاني عن أحاديث الباب التي استدل بها أهل القول بأجوبة : منها : أنها متضمنة لكون الخمس الرضعات قرآنا ، والقرآن شرطه التواتر ولم [ ص: 370 ] يتواتر محل النزاع وأجيب بأن كون التواتر شرطا ممنوع ، والسند ما أسلفنا عن أئمة القراءات كالجزري وغيره في باب الحجة في الصلاة بقراءة ابن مسعود وأبي من أبواب صفة الصلاة فإنه نقل هو وجماعة من أئمة القراءات الإجماع على ما يخالف هذه الدعوى ، ولم يعارض نقله ما يصلح لمعارضة كما بينا ذلك هنالك وأيضا اشتراط التواتر فيما نسخ لفظه على رأي المشترطين ممنوع

وأيضا انتفاء قرآنيته لا يستلزم انتفاء حجيته على فرض شرطية التواتر ; لأن الحجة ثبتت بالظن ، ويجب عنده العمل وقد عمل الأئمة بقراءة الآحاد في مسائل كثيرة : منها قراءة ابن مسعود : { فصيام ثلاثة أيام } متتابعات وقراءة أبي { وله أخ أو أخت } من أم ووقع الإجماع على ذلك ولا مستند له غيرها وأجابوا أيضا بأن ذلك لو كان قرآنا لحفظ لقوله تعالى: { إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون } وأجيب بأن كونه غير محفوظ ممنوع بل قد حفظه الله برواية عائشة له

وأيضا المعتبر حفظ الحكم ، ولو سلم انتفاء قرآنيته على جميع التقادير لكان سنة لكون الصحابي راويا له عنه صلى الله عليه وسلم لوصفه له بالقرآنية وهو يستلزم صدوره عن لسانه ، وذلك كاف في الحجية لما تقرر في الأصول من أن المروي آحادا إذا انتفى عنه وصف القرآنية لم ينتف وجوب العمل به كما سلف واحتجوا أيضا بقوله تعالى : {وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم } وإطلاق الرضاع يشعر بأنه يقع بالقليل والكثير ، ومثل ذلك حديث : { يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب } ويجاب بأنه مطلق مقيد بما سلف واحتجوا بما ثبت في الصحيحين عن عقبة بن الحارث أنه تزوج أم يحيى بنت أبي إهاب الذي سيأتي في باب شهادة المرأة الواحدة بالرضاع فإن النبي صلى الله عليه وسلم لم يستفصل عن الكيفية ولا سأل عن العدد

ويجاب أيضا بأن أحاديث الباب اشتملت على زيادة على ذلك المطلق المشعور به من ترك الاستفصال ، فيتعين الأخذ بها على أنه يمكن أن يكون ترك الاستفصال لسبق البيان منه صلى الله عليه وسلم للقدر الذي يثبت به التحريم فإن قلت : حديث { لا يحرم من الرضاع إلا ما فتق الأمعاء } يدل على عدم اعتبار الخمس لأن الفتق يحصل بدونها قلت : سيأتي الجواب عن ذلك في شرح الحديث فالظاهر ما ذهب إليه القائلون باعتبار الخمس وأما حديث { لا تحرم الرضعة والرضعتان } وكذلك سائر الأحاديث المتقدمة في الباب الأول

وقد سبق ذكر من ذهب إلى العمل بها فمفهومها يقتضي أن ما زاد عليها يوجب التحريم كما أن مفهوم أحاديث الخمس أن ما دونها لا يقتضي التحريم فيتعارض المفهومان ويرجع إلى الترجيح ، ولكنه قد ثبت عند ابن ماجه بلفظ : { لا يحرم إلا عشر رضعات أو خمس } كما ذكره المصنف ، وهذا مفهوم حصر وهو أولى من مفهوم العدد وأيضا قد ذهب علماء البيان كالزمخشري إلى أن الإخبار بالجملة الفعلية المضارعية يفيد الحصر والإخبار [ ص: 371 ] عن الخمس الرضعات بلفظ يحرمن كذلك . ولو سلم استواء المفهومين وعدم انتهاض أحدهما كان المتوجه تساقطهما ، وحمل ذلك المطلق على الخمس لا على ما دونها إلا أن يدل عليه دليل ; ولا دليل يقتضي أن ما دون الخمس يحرم إلا مفهوم قوله : { لا تحرم الرضعة والرضعتان } والمفروض أنه قد سقط ، نعم لا بد من تقييد الخمس الرضعات بكونها في زمن المجاعة لحديث عائشة الآتي في الباب الذي بعد هذا

وأما حديث ابن مسعود عند أبي داود مرفوعا { لا رضاع إلا ما أنشر العظم وأنبت اللحم } فيجاب بأن الإنبات والإنشار إن كانا يحصلان بدون الخمس ففي الخمس زيادة يجب قبولها والعمل بها ، وإن كانا لا يحصلان إلا بزيادة عليها فيكون حديث الخمس مقيدا بهذا الحديث لولا أنه من طريق أبي موسى الهلالي عن أبيه عن ابن مسعود وقد قال أبو حاتم : إن أبا موسى وأباه مجهولان وقد أخرجه البيهقي من حديث أبي حصين عن أبي عطية قال : جاء رجل إلى أبي موسى فذكره بمعناه ، وهذا على فرض أنه يفيد ارتفاع الجهالة عن أبي موسى لا يفيد ارتفاعها عن أبيه فلا ينتهض الحديث لتقييد أحاديث الخمس بإنشار العظم وإنبات اللحم وفي حديث عائشة المذكور في قصة سالم دليل على أن إرضاع الكبير يقتضي التحريم ، وسيأتي تحقيق ذلك



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث