الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

تفسير قوله تعالى ذلك عيسى ابن مريم قول الحق الذي فيه يمترون

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

هذا هو التعريف بعيسى - عليه السلام.

قال الله (تعالى): ذلك عيسى ابن مريم قول الحق الذي فيه يمترون ما كان لله أن يتخذ من ولد سبحانه إذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون وإن الله ربي وربكم فاعبدوه هذا صراط مستقيم فاختلف الأحزاب من بينهم فويل للذين كفروا من مشهد يوم عظيم أسمع بهم وأبصر يوم يأتوننا لكن الظالمون اليوم في ضلال مبين وأنذرهم يوم الحسرة إذ قضي الأمر وهم في غفلة وهم لا يؤمنون إنا نحن نرث الأرض ومن عليها وإلينا يرجعون

هذا بيان لعيسى - عليه السلام -؛ بينت الآيات فيه كيف حملت به أمه؛ وبينت أن الذي نفخ فيها روح القدس؛ وهو مخلوق من الله (تعالى)؛ فيكون ما ينفخه مخلوقا [ ص: 4637 ] أيضا؛ فيكون دعوى أنه الله دعوى لا أساس لها من الصحة؛ بل باطلة في ذاتها؛ وفيما اقترن بولادته فهو مخلوق كسائر المخلوقات؛ وإذا كان مخلوقا فهو محدث؛ وليس بقديم؛ ولم ينشأ عن الله نشوء العلة من المعلول؛ كما ينشأ المسبب عن السبب؛ بل خلقه وأبدعه مختارا مريدا؛ أنشأه من حيث لم يكن؛ لذا قال (تعالى): ذلك عيسى ابن مريم قول الحق الذي فيه يمترون الإشارة إلى المذكور من التبشير به على لسان جبريل - عليه السلام - ونفخه في مريم من جيب قميصها؛ إلى ولادته؛ ونطقه غلاما زكيا؛ وإن ذلك كله خارق لنظام الأسباب والمسببات الذي كان يؤمن به فلاسفة الإسكندرية؛ التي ولدت منها ديانة التثليث؛ "قول الحق "؛ هنا قراءتان: قراءة بضم اللام؛ ويكون "قول الحق "؛ بدلا من "عيسى "؛ أي أن عيسى هو قول الحق؛ والإضافة من إضافة الاسم إلى الوصف؛ كقولهم: "خاتم حديد "؛ أي: خاتم هو حديد؛ وكان عيسى "قول الحق "؛ لأنه نشأ بالقول؛ إذ قال الله (تعالى): "كن "؛ فكان كما قال (تعالى): وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه ؛ وعلى النصب يكون "قول "؛ مفعولا لفعل محذوف؛ ويكون حذفه لبيان اختصاصه بأنه قول الحق؛ وتقدير الكلام: "أخص قول الحق "؛ وأنه خلق بقوله (تعالى): "كن فيكون "؛ كما أشرنا؛ وكما سيقول الله (تعالى) فيما يتلو ذلك من آيات بينات؛ وقوله (تعالى): الذي فيه يمترون الامتراء: الشك المقترن بملاحاة ومجادلات؛ بل مهاترات أحيانا.

وكذلك كان شخص عيسى - عليه السلام - موضع ملاحاة وخلافات بين طوائف مسيحية؛ فإنه منذ انعقد مجمع نيقية سنة 325 ميلادية؛ والمناقشات جارية حول شخص المسيح - عليه السلام -؛ فمن ادعاء بنوته لله (تعالى)؛ وألوهيته؛ وفرضها على المسيحيين الموحدين؛ والخلافات والملاحاة تجري؛ فقد ضموا إلى ألوهيته ألوهية روح [ ص: 4638 ] القدس؛ ثم اختلفوا: أهو نشأ من الله؛ أم من المسيح؛ أم منهما؟ ثم كان الخلاف في المشيئة: أهي من الناسوت؛ أم اللاهوت؛ أم منهما؟ إلى آخر ما اختلفوا؛ ثم ثبت في النصرانية الأخيرة من قال: إن المسيح شخصية خرافية؛ لا وجود لها؛ اخترعتها الأفلاطونية الحديثة؛ لتجعل مذهبها دينا من الأديان؛ فيسهل الإقناع بها؛ وذلك لتوافق النصرانية المثلثة مع هذه الفلسفة تماما.

وقد بين الله (تعالى) الحق في المسيح عيسى - عليه السلام - وهو أنه عبد من عباد الله (تعالى)؛ اختاره - سبحانه - نبيا رسولا؛ وقد خلق من غير أب؛ ليكون في خلقه آية؛ تبين أن الله - سبحانه وتعالى - فعال مختار؛ لا يلزمه نظام الأسباب العادية ومسبباتها.

ولقد أكد - سبحانه - ما ذكره من أنه خلق من مخلوقات الله (تعالى)؛ لذا قال - عز من قائل -:

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث