الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

مسألة من الإيلاء

مسألة من الإيلاء 25411 - قال مالك ، في الرجل يولي من امرأته ، فيوقف ، فيطلق عند انقضاء الأربعة الأشهر ، ثم يراجع امرأته : أنه إن لم يصبها حتى تنقضي عدتها ، فلا سبيل له إليها ، ولا رجعة له عليها . إلا أن يكون له عذر ، من مرض أو سجن ، أو ما أشبه ذلك من العذر ، فإن ارتجاعه إياها ثابت عليها . فإن مضت عدتها ثم تزوجها بعد ذلك ، فإنه إن لم يصبها حتى تنقضي الأربعة الأشهر ، وقف أيضا فإن لم يفئ دخل عليه الطلاق بالإيلاء الأول . إذا مضت الأربعة الأشهر . ولم يكن له عليها رجعة . لأنه نكحها ثم طلقها قبل أن يمسها . فلا عدة له عليها ، ولا رجعة .

قال مالك ، في الرجل يولي من امرأته ، فيوقف بعد الأربعة الأشهر ، فيطلق ، ثم يرتجع ولا يمسها ، فتنقضي أربعة أشهر قبل أن تنقضي عدتها : إنه لا يوقف ، ولا يقع [ ص: 96 ] عليه طلاق . وإنه إن أصابها قبل أن تنقضي عدتها ، كان أحق بها . وإن مضت عدتها قبل أن يصيبها ، فلا سبيل له إليها . وهذا أحسن ما سمعت في ذلك .

التالي السابق


25412 - قال أبو عمر : أما قوله : إنه لم يمسها حتى تنقضي عدتها ، فلا سبيل له إليها ، ولا رجعة له عليها .

25413 - ولا أعلم أحدا شرط في صحة الرجعة الجماع إلا مالكا - رحمه الله - ويجعله إذا لم يطأ في حكم المولي ، كما أنه لو قال لأجنبية : والله لئن تزوجتك لا أطأنك ، ثم تزوجها كان موليا عنده .

25414 - وكذلك لو قال : إن تزوجتك فأنت طالق ، فإنها تطلق عنده إذا تزوجها ، ولا يسقط عنه الطلاق الإيلاء .

25415 - ودليل ذلك على أن اليمين عليه باقية ، وأنه مذ وطئها بعد النكاح الجديد حنث كالموالي قبل النكاح الجديد ، ولا يسقط الإيلاء إلا الجماع لمن قدر عليه . وإن عجز عنه بعذر مانع مثل السجن الذي لا يصل معه إليها ، أو المرض المانع المذنب له من وطئها ، أو البعد من السفر ، كان مبيته عنده كفارته بيمينه إن كان ممن يكفر ، إذ بان عذره .

25416 - قال : ومما تعرف به فيئة المريض أن يكفر ، فتسقط يمينه ، [ ص: 97 ] وإن كانت ممن يكفر إذ قد بان عذره ، وكذلك المسجون ، والغائب .

25417 - وإن كانت اليمين لا تكفر ، فنيته بالقول ، فمتى زال العذر عاد الحكم .

25418 - هذا كله تحصيل مذهب مالك .

25419 - وأما غيره من العلماء ، فالطلاق عندهم من السلطان ، أو انقضاء الأربعة الأشهر عند من أوقع الطلاق بانقضائها ، كالفيئة ; لما في الفيئة من الحنث ، بدليل قول الله عز وجل : فإن فاءوا [ البقرة : 226 ] أي رجعوا إلى الجماع الذي حلفوا عليه ، فحنثوا أنفسهم ، أو عزموا الطلاق ، فبرئوا .

25420 - فإذا وقع الطلاق لم يعد الإيلاء إلا بيمين أخرى ; لأن الحنث بالفيئة قد وقع ، ولا يحنث مرتين .

25421 - وكذلك قال ابن عباس ، وجابر بن زيد ، وعطاء ، والحسن ، وإبراهيم ، والشعبي ، وقتادة ، وغيرهم من العلماء ; لا إيلاء إلا بيمين .

25422 - ولا يرون الممتنع من الوطء بلا يمين موليا .

[ ص: 98 ] 25423 - والإيلاء مصدر أولى إيلاء ، وألية .

25424 - والألية : اليمين وجمعها الآلاء .

25425 - قال كثير يمدح عمر بن عبد العزيز :


قليل الألاء حافظ ليمينه وإن بدرت منه الألية برت

25426 - وقد اختلف الفقهاء فيمن طلق ثلاثا بعد الإيلاء ، ثم تزوجها بعد زوج :

25427 - فقال مالك : يكون موليا .

25428 - وهو قول حماد بن أبي سليمان ، وزفر .

25439 - وقال أبو حنيفة ، وأبو يوسف ، ومحمد : لا يكون موليا وإن قربها كفر يمينه .

25430 - وهو قول الثوري .

25431 - وقال الشافعي في موضع : إذا بانت المرأة ، ثم تزوجها كان موليا ، وفي موضع آخر : لا يكون موليا .

25432 - واختاره المزني ; لأنها صارت في حال لو طلقها لم يقع طلاقه عليها .

[ ص: 99 ] 25433 - وقال ابن القاسم : إذا آلى وهي صغيرة لم يجامع مثلها لم يكن موليا حتى تبلغ الوطء ، ثم يوقف بعد مضي أربعة أشهر منذ بلغت الوطء .

25434 - وهو قول ابن القاسم ، ولم يروه عن مالك .

25435 - قال : ولا يوقف الخصي وإنما يوقف من يقدر على الجماع .

25436 - وقال الشافعي : إذا لم يبق للخصي ما ينال به من المرأة ما يناله الصحيح بمغيب الحشفة ، فهو كالمجبوب فاء بلسانه ، ولا شيء عليه غيره ; لأنه ممن لا يجامع مثله .

25437 - وقال في موضع آخر : لا إيلاء على مجبوب .

25438 - واختاره المزني .

25439 - وأما اختلافهم في المولي العاجز عن الجماع ، فقد مضى قول مالك ، ومذهبه في ذلك .

25440 - وقال في المسافر : إذا طالبته امرأته كتب موضعه ، فيوقف ليفيء ، أو ليطلق ، أو يطلق عليه .

25441 - وقال أبو حنيفة ، وأصحابه : إذا آلى ، وهو مريض ، أو بينها وبينه ، مسيرة أربعة أشهر ، أو كانت رتقاء ، أو صغيرة ، ففيه الرضا بالقول إذا دام به العذر حتى تمضي المدة ، فإن قدر في المدة على الجماع لزمه الجماع .

[ ص: 100 ] 25442 - قالوا : ولو كان أحدهما محرما بالحج ، وبينه وبين وقت الحج أربعة أشهر لم يكن فيؤه إلا بالجماع ، وكذلك المحبوس .

25443 - وقال زفر : فيؤه بالقول .

25444 - وقال الثوري في رواية الأشجعي عنه : إذا كان للمولي عذر من مرض ، أو كبر ، أو حبس ، أو كانت حائضا ، أو نفساء ، فليفئ بلسانه ، يقول : قد فئت ، ويجزئه ذلك .

25445 - وهو قول الحسن بن حي .

25446 - وقال الأوزاعي : إذا آلى من امرأته ، ثم مرض ، أو سافر ، فأشهد على الفيء من غير جماع ، وكان لا يقدر على الجماع ، وقد فاء ، فليكفر عن يمينه ، وهي امرأته .

25447 - وكذلك إن ولدت في الأربعة الأشهر ، أو حاضت ، أو طرده السلطان ، فإنه يشهد على الفيء ، ولا إيلاء عليه .

25448 - وقال الليث بن سعد : إذا مرض بعد الإيلاء ، ثم مضت أربعة أشهر ، فإنه يوقف كما يوقف الصحيح ، فإما فاء ، وإما طلق ، ولا يؤخر إلى أن يصح .

25449 - وقال المزني عن الشافعي : إذا آلى المجبوب ، ففيؤه باللسان .

25450 - قال : وقال في كتاب الإيلاء : لا إيلاء على مجبوب .

[ ص: 101 ] 25451 - قال : ولو كانت صبية ، فآلى منها استأنف لها أربعة أشهر بعدما تصير في حال يمكن جماعها .

25452 - قال : ولو أحرم بالحج لم يكن فيؤه إلا بالجماع ، فإن وطئ فسد حجه .

25453 - قالوا : ولو آلى ، وهي بكر ، فقال : لا أقدر على افتضاضها أجل أجل العنين .

25454 - قال : وإذا كان ممن لا يقدر على الجماع ، وفاء بلسانه ، ثم قدر ، وقف حتى يفيء ، أو يطلق .

25455 - قال : وإذا كانت حائضا ، أو محرمة ، لم يلزمه الفيء حتى تحل إصابتها .

25456 - وقال في موضع آخر : إذا حبس استأنف أربعة أشهر ، وإن كان بينهما مسيرة أربعة أشهر ، فطالبه الوكيل ، فاء بلسانه ، وسار إليها كيف أمكنه ، وإلا طلقت عليه .

25457 - قال أبو عمر : لم يختلف العلماء من السلف ، والخلف ، أن قول الله تعالى : فإن فاءوا [ البقرة : 226 ] هو الجماع لمن قدر عليه فصار بإجماعهم على ذلك من المحكم .

[ ص: 102 ] 25458 - واختلفوا في معنى قوله - عز وجل : وإن عزموا الطلاق فإن الله سميع عليم [ البقرة : 227 ] .

25459 - وعلى حسب اختلافهم الذي ذكرنا عنهم جاءت فروع مذاهبهم على ما وصفنا .

25460 - وجمهور العلماء على أن المولي إذا فاء بالوطء ، وحنث نفسه ، فعليه الكفارة إلا رواية عن إبراهيم ، والحسن أنه لا كفارة عليه إذا فاء ; لأن الله - عز وجل - قد غفر له ، ورحمه .

25461 - وهذا مذهب في الأيمان لبعض التابعين في كل من حلف على بر ، أو تقوى ، أو باب من أبواب الخير ألا يفعله ، فإنه يفعله ، ولا كفارة عليه .

25462 - وهو مذهب ضعيف ترده السنة الثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم على من حلف على يمين ، فرأى غيرها خيرا منها ، فليأت الذي هو خير ، وليكفر عن يمينه ، فلم يسقط عنه - بإتيانه الخير - ما لزمته من الكفارة .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث