الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

قوله تعالى فكفارته إطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

( فكفارته إطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم أو كسوتهم أو تحرير رقبة فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام ذلك كفارة أيمانكم إذا حلفتم واحفظوا أيمانكم كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تشكرون ) .

ثم قال تعالى : ( فكفارته إطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم أو كسوتهم أو تحرير رقبة ) .

[ ص: 63 ] واعلم أن الآية دالة على أن الواجب في كفارة اليمين أحد الأمور الثلاثة على التخيير ، فإن عجز عنها جميعا فالواجب شيء آخر ، وهو الصوم .

وفي الآية مسائل :

المسألة الأولى : معنى الواجب المخير أنه لا يجب عليه الإتيان بكل واحد من هذه الثلاثة ، ولا يجوز له تركها جميعا ، ومتى أتى بأي واحد شاء من هذه الثلاثة فإنه يخرج عن العهدة ، فإذا اجتمعت هذه القيود الثلاثة فذاك هو الواجب المخير ، ومن الفقهاء من قال : الواحد لا بعينه ، وهذا الكلام يحتمل وجهين :

الأول أن يقال : الواجب عليه أن يدخل في الوجود واحدا من هذه الثلاثة لا بعينه ، وهذا محال في العقول لأن الشيء الذي لا يكون معينا في نفسه يكون ممتنع الوجود لذاته ، وما كان كذلك فإنه يراد به التكليف .

الثاني أن يقال : الواجب عليه واحد معين في نفسه وفي علم الله تعالى ، إلا أنه مجهول العين عند الفاعل ، وذلك أيضا محال لأن كون ذلك الشيء واجبا بعينه في علم الله تعالى هو أنه لا يجوز تركه بحال ، وأجمعت الأمة على أنه يجوز له تركه بتقدير الإتيان بغيره ، والجمع بين هذين القولين جمع بين النفي والإثبات وهو محال ، وتمام الكلام فيه مذكور في أصول الفقه .

المسألة الثانية : قال الشافعي رحمه الله : نصيب كل مسكين مد ، وهو ثلثا من ، وهو قول ابن عباس وزيد بن ثابت وسعيد بن المسيب والحسن والقاسم ، وقال أبو حنيفة رحمه الله : الواجب نصف صاع من الحنطة ، وصاع من غير الحنطة .

حجة الشافعي أنه تعالى لم يذكر في الإطعام إلا قوله : ( من أوسط ما تطعمون أهليكم ) وهذا الوسط إما أن يكون المراد منه ما كان متوسطا في العرف ، أو ما كان متوسطا في الشرع ، فإن كان المراد ما كان متوسطا في العرف فثلثا من من الحنطة ، إذا جعل دقيقا أو جعل خبزا فإنه يصير قريبا من المن ، وذلك كاف في قوت اليوم الواحد ظاهرا ، وإن كان المراد ما كان متوسطا في الشرع فلم يرد في الشرع له مقدار إلا في موضع واحد ، وهو ما روي في خبر المفطر في نهار رمضان أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمره بإطعام ستين مسكينا من غير ذكر مقدار ، فقال الرجل : ما أجد ، فأتي النبي - صلى الله عليه وسلم - بعرق فيه خمسة عشر صاعا ، فقال له النبي - صلى الله عليه وسلم - : أطعم هذا . وذلك يدل على تقدير طعام المسكين بربع الصاع ، وهو مد ، ولا يلزم كفارة الحلف لأنها شرعت بلفظ الصدقة مطلقة عن التقدير بإطعام الأهل ، فكان قدرها معتبرا بصدقة الفطر ، وقد ثبت بالنص تقديرها بالصاع لا بالمد .

وحجة أبي حنيفة رحمه الله أنه تعالى قال : ( من أوسط ما تطعمون أهليكم ) والأوسط هو الأعدل ، والذي ذكره الشافعي رحمه الله هو أدنى ما يكفي ، فأما الأعدل فيكون بإدام ، وهكذا روي عن ابن عباس رحمهما الله : مد معه إدامه ، والإدام يبلغ قيمته قيمة مد آخر أو يزيد في الأغلب .

أجاب الشافعي رحمه الله بأن قوله : ( من أوسط ما تطعمون أهليكم ) يحتمل أن يكون المراد التوسط في القدر ، فإن الإنسان ربما كان قليل الأكل جدا يكفيه الرغيف الواحد ، وربما كان كثير الأكل فلا يكفيه المنوان ، إلا أن المتوسط الغالب أنه يكفيه من الخبز ما يقرب من المن ، ويحتمل أن يكون المراد التوسط في القيمة ، لا يكون غاليا كالسكر ، ولا يكون خسيس الثمن كالنخالة والذرة ، والأوسط هو الحنطة والتمر والزبيب [ ص: 64 ] والخبز ، ويحتمل أن يكون المراد الأوسط في الطيب واللذاذة ، ولما كان اللفظ محتملا لكل واحد من الأمرين فنقول : يجب حمل اللفظ على ما ذكرناه لوجهين .

الأول : أن الإدام غير واجب بالإجماع ، فلم يبق إلا حمل اللفظ على التوسط في قدر الطعام .

الثاني : أن هذا القدر واجب بيقين ، والباقي مشكوك فيه لأن اللفظ لا دلالة فيه عليه ، فأوجبنا اليقين وطرحنا الشك ، والله أعلم .

المسألة الثانية : قال الشافعي رحمه الله : الواجب تمليك الطعام . وقال أبو حنيفة رحمه الله : إذا غدى أو عشى عشرة مساكين جاز .

حجة الشافعي : أن الواجب في هذه الكفارة أحد الأمور الثلاثة : إما الإطعام أو الكسوة أو الإعتاق ، ثم أجمعنا على أن الواجب في الكسوة التمليك ، فوجب أن يكون الواجب في الإطعام هو التمليك .

حجة أبي حنيفة : أن الآية دلت على أن الواجب هو الإطعام ، والتغدية والتعشية هما إطعام بدليل قوله تعالى : ( ويطعمون الطعام على حبه ) [ الإنسان : 8 ] وقال : ( من أوسط ما تطعمون أهليكم ) وإطعام الأهل يكون بالتمكين لا بالتمليك ، ويقال في العرف : فلان يطعم الفقراء : إذا كان يقدم الطعام إليهم ويمكنهم من أكله . وإذا ثبت أنه أمر بالإطعام وجب أن يكون كافيا .

أجاب الشافعي رضي الله عنه : أن الواجب إما المد أو الأزيد ، والتغدية والتعشية قد تكون أقل من ذلك فلا يخرج عن العهدة إلا باليقين ، والله أعلم .

المسألة الرابعة : قال الشافعي رحمه الله : لا يجزئه إلا طعام عشرة ، وقال أبو حنيفة رحمه الله : لو أطعم مسكينا واحدا عشرة أيام جاز .

حجة الشافعي رحمه الله : أن مدار هذا الباب على التعبد الذي لا يعقل معناه ، وما كان كذلك فإنه يجب الاعتماد على مورد النص .

المسألة الخامسة : الكسوة في اللغة معناها اللباس ، وهو كل ما يكتسى به ، فأما التي تجزي في الكفارة فهو أقل ما يقع عليه اسم الكسوة إزار أو رداء أو قميص أو سراويل أو عمامة أو مقنعة ثوب واحد لكل مسكين ، وهو قول ابن عباس والحسن ومجاهد وهو مذهب الشافعي رحمه الله .

المسألة السادسة : المراد بالرقبة الجملة ، وقيل الأصل في هذا المجاز أن الأسير في العرب كان يجمع يداه إلى رقبته بحبل ، فإذا أطلق حل ذلك الحبل فسمي الإطلاق من الرقبة فك الرقبة ، ثم جرى ذلك على العتق ، ومذهب أهل الظاهر أن جميع الرقبات تجزيه . وقال الشافعي رحمه الله : الرقبة المجزية في الكفارة كل رقبة سليمة من عيب يمنع من العمل ، صغيرة كانت أو كبيرة ، ذكرا أو أنثى ، بعد أن تكون مؤمنة ، ولا يجوز إعتاق الكافرة في شيء من الكفارات ، ولا إعتاق المكاتب ، ولا شراء القريب ، وهذه المسائل قد ذكرناها في آية الظهار .

المسألة السابعة : لقائل أن يقول : أي فائدة لتقديم الإطعام على العتق مع أن العتق أفضل لا محالة ؟

قلنا : له وجوه :

أحدها : أن المقصود منه التنبيه على أن هذه الكفارة وجبت على التخيير لا على الترتيب ; لأنها لو وجبت على الترتيب لوجبت البداءة بالأغلظ .

وثانيها : قدم الإطعام لأنه أسهل لكون الطعام أعم [ ص: 65 ] وجودا ، والمقصود منه التنبيه على أنه تعالى يراعي التخفيف والتسهيل في التكاليف .

وثالثها : أن الإطعام أفضل لأن الحر الفقير قد لا يجد الطعام ، ولا يكون هناك من يعطيه الطعام فيقع في الضر ، أما العبد فإنه يجب على مولاه إطعامه وكسوته .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث