الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                      صفحة جزء
                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                      [ ص: 158 ] ثم دخلت سنة أربع وعشرين وستمائة

                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                      فيها كاتب عامة أهل تفليس الكرج ، فجاءوا إليهم فدخلوها ، فقتلوا العامة والخاصة ، ونهبوا وسبوا وخربوا وأحرقوا ، وخرجوا على حمية ، وبلغ ذلك جلال الدين فسار سريعا ليدركهم ، فلم يدركهم .

                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                      وفيها قتلت الإسماعيلية أميرا كبيرا من نواب جلال الدين بن خوارزم شاه ، فسار إلى بلادهم ، فقتل منهم خلقا كثيرا ، وخرب مدينتهم ، وسبى ذراريهم ، ونهب أموالهم ، وقد كانوا - قبحهم الله - من أكبر العون على المسلمين لما قدم التتار إلى الناس ، وكانوا أضر على الناس منهم .

                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                      وفيها تواقع جلال الدين وطائفة كبيرة من التتار ، فهزمهم وأوسعهم قتلا وأسرا ، وساق وراءهم أياما ، فقتلهم حتى وصل إلى الري ، فبلغه أن طائفة قد جاءوا لقصده ، فأقام ينتظرهم ، فكان من أمره وأمرهم ما سيأتي في سنة خمس وعشرين .

                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                      وفيها دخلت عساكر الملك الأشرف إلى أذربيجان ، فملكوا منها مدنا كثيرة ، وغنموا أموالا جزيلة ، وخرجوا معهم بزوجة جلال الدين بنت طغرل ، وكانت تبغضه وتعاديه ، فأنزلوها مدينة خلاط ، وسيأتي ما كان من خبرهم في السنة الآتية ، إن شاء الله تعالى .

                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                      [ ص: 159 ] وفيها قدم رسول الأنبرور ملك الفرنج في البحر إلى المعظم يطلب منه ما كان فتحه عمه السلطان الملك الناصر صلاح الدين من بلاد السواحل ، فأغلظ لهم المعظم في الجواب ، وقال له : قل لصاحبك ما عندي إلا السيف - والله أعلم - .

                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                      وفيها جهز الأشرف أخاه شهاب الدين غازيا إلى الحج في محمل عظيم يحمل ثقله ستمائة جمل ، ومعه خمسون هجينا ، على كل هجين مملوك ، فسار من ناحية العراق ، وجاءته هدايا الخليفة إلى أثناء الطريق ، وعاد على طريقه التي حج منها .

                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                      وفيها ولي قضاء القضاة ببغداد نجم الدين أبو المعالي عبد الرحمن بن مقبل الواسطي ، وخلع عليه كما هي عادة الحكام ، وكان يوما مشهودا .

                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                      وفيها كان غلاء شديد ببلاد الجزيرة ، وقل اللحم ، حتى حكى ابن الأثير أنه لم يذبح بمدينة الموصل في بعض الأيام سوى خروف واحد في زمن الربيع .

                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                      قال : وسقط فيها عاشر آذار ثلج كثير بالجزيرة والعراق مرتين ، فأهلك الأزهار وغيرها . قال : وهذا شيء لم يعهد مثله ، والعجب كل العجب من العراق مع كثرة حره كيف وقع فيه مثل هذا؟!

                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                      التالي السابق


                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                      الخدمات العلمية