الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

قوله تعالى هو اجتباكم وما جعل عليكم في الدين من حرج

[ ص: 349 ] هو اجتباكم وما جعل عليكم في الدين من حرج ملة أبيكم إبراهيم هو سماكم المسلمين من قبل وفي هذا ليكون الرسول شهيدا عليكم وتكونوا شهداء على الناس

جملة هو اجتباكم إن حملت على أنها واقعة موقع العلة لما أمروا به ابتداء من قوله تعالى يا أيها الذين آمنوا اركعوا واسجدوا إلخ ، أي لأنه لما اجتباكم ، كان حقيقا بالشكر له بتلك الخصال المأمور بها .

والاجتباء : الاصطفاء والاختبار ، أي هو اختاركم لتلقي دينه ونشره ونصره على معانديه . فيظهر أن هذا موجه لأصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أصالة ويشركهم فيه كل من جاء بعدهم بحكم اتحاد الوصف في الأجيال كما هو الشأن في مخاطبات التشريع . وإن حمل قوله هو اجتباكم على معنى التفضيل على الأمم كان ملحوظا فيه تفضيل مجموع الأمة على مجموع الأمم السابقة الراجع إلى تفضيل كل طبقة من هذه الأمة على الطبقة المماثلة لها من الأمم السالفة .

وقد تقدم مثل هذين المحملين في قوله تعالى كنتم خير أمة أخرجت للناس .

وأعقب ذلك بتفضيل هذا الدين المستتبع تفضيل أهله بأن جعله دينا لا حرج فيه لأن ذلك يسهل العمل به مع حصول مقصد الشريعة من العمل فيسعد أهله بسهولة امتثاله . وقد امتن الله تعالى بهذا المعنى في آيات كثيرة من القرآن ، منها قوله تعالى [ ص: 350 ] يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر . ووصفه الدين بالحنيف ، وقال النبيء - صلى الله عليه وسلم - : بعثت بالحنيفية السمحة .

والحرج : الضيق ، أطلق على عسر الأفعال تشبيها للمعقول بالمحسوس ثم شاع ذلك حتى صار حقيقة عرفية كما هنا .

والملة : الدين والشريعة . وقد تقدم عند قوله تعالى ثم أوحينا إليك أن اتبع ملة إبراهيم حنيفا في سورة النحل . وقوله واتبعت ملة آبائي في سورة يوسف .

وقوله ملة أبيكم إبراهيم زيادة في التنويه بهذا الدين وتحضيض على الأخذ به لأنه اختص بأنه دين جاء به رسولان إبراهيم ومحمد - صلى الله عليه وسلم - وهذا لم يستتب لدين آخر ، وهو معنى قول النبيء - صلى الله عليه وسلم - : أنا دعوة أبي إبراهيم أي بقوله ربنا وابعث فيهم رسولا منهم . وإذا قد كان هذا هو المقصود فمحمل الكلام أن هذا الدين دين إبراهيم ، أي أن الإسلام احتوى على دين إبراهيم عليه الصلاة والسلام . ومعلوم أن للإسلام أحكاما كثيرة ولكنه اشتمل على ما لم يشتمل عليه غيره من الشرائع الأخرى من دين إبراهيم ، جعل كأنه عين ملة إبراهيم ، فعلى هذا الاعتبار يكون انتصاب ملة أبيكم إبراهيم على الحال من ( الدين ) باعتبار أن الإسلام حوى ملة إبراهيم .

ثم إن كان الخطاب موجها إلى الذين صحبوا النبيء - صلى الله عليه وسلم - فإضافة أبوة إبراهيم إليهم باعتبار غالب الأمة ، لأن غالب الأمة يومئذ من العرب المضرية وأما الأنصار فإن نسبهم لا ينتمي إلى إبراهيم عليه الصلاة والسلام لأنهم من العرب القحطانيين ; على أن أكثرهم كانت لإبراهيم عليهم ولادة من قبل الأمهات .

[ ص: 351 ] وإن كان الخطاب لعموم المسلمين كانت إضافة أبوة إبراهيم لهم على معنى التشبيه في الحرمة واستحقاق التعظيم كقوله تعالى وأزواجه أمهاتهم ، ولأنه أبو النبيء محمد - صلى الله عليه وسلم - ومحمد له مقام الأبوة للمسلمين وقد قرئ قوله تعالى وأزواجه أمهاتهم بزيادة وهو أبوهم .

ويجوز أن يكون الخطاب للنبيء - صلى الله عليه وسلم - على طريقة التعظيم كأنه قال : ملة أبيك إبراهيم .

والضمير في هو سماكم المسلمين عائد إلى الجلالة كضمير هو اجتباكم فتكون الجملة استئنافا ثانيا ، أي هو اجتباكم وخصكم بهذا الاسم الجليل فلم يعطه غيركم ولا يعود إلى إبراهيم . و ( قبل ) إذا بني على الضم كان على تقدير مضاف إليه منوي بمعناه دون لفظه . والاسم الذي أضيف إليه ( قبل ) محذوف . وبني ( قبل ) على الضم إشعارا بالمضاف إليه . والتقدير : من قبل القرآن . والقرينة قوله ( وفي هذا ) ، أي وفي هذا القرآن .

والإشارة في قوله ( وفي هذا ) إلى القرآن كما في قوله تعالى ائتوني بكتاب من قبل هذا أو أثارة من علم إن كنتم صادقين ، أي وسماكم المسلمين في القرآن . وذلك في نحو قوله فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون وقوله وأمرت لأن أكون أول المسلمين .

واللام في قوله ليكون الرسول شهيدا عليكم يتعلق بقوله اركعوا واسجدوا أو بقوله " اجتباكم " أي ليكون الرسول ، أي محمد - صلى الله عليه وسلم - شهيدا على الأمة الإسلامية بأنها آمنت به ، وتكون الأمة الإسلامية شاهدة على الناس ، أي على الأمم بأن [ ص: 352 ] رسلهم بلغوهم الدعوة فكفر بهم الكافرون . ومن جملة الناس القوم الذين كفروا بمحمد - صلى الله عليه وسلم - .

وقدمت شهادة الرسول للأمة هنا ، وقدمت شهادة الأمة في آية البقرة وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا لأن آية هذه السورة في مقام التنويه بالدين الذي جاء به الرسول . فالرسول هنا أسبق إلى الحضور فكان ذكر شهادته أهم ، وآية البقرة صدرت بالثناء على الأمة فكان ذكر شهادة الأمة أهم .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث