الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


ولما كان النكاح الفاسد بالنسبة للفسخ وعدمه ثلاثة أقسام ما يفسخ قبل الدخول وبعده إن لم يطل وما يفسخ قبل الدخول لا بعده وما يفسخ أبدا شرع في ذكرها على هذا الترتيب وبدأ بنكاح السر وفي ضمنه معناه فقال ( وفسخ ) نكاح ( موصى ) بكتمه عن امرأة الزوج حالة العقد أو قبله والموصي بالكسر هو الزوج وحده أو مع زوجته الجديدة والموصى بالفتح هم الشهود خاصة فقوله : ( وإن بكتم شهود ) الواو للحال ، وإن زائدة فلو حذفهما كان أخصر وأوضح ; لأن نكاح السر هو ما أوصى فيه الزوج الشهود بكتمه عن زوجته أو عن جماعة ، ولو أهل منزل كما يأتي إذا لم يكن الكتم خوفا من ظالم أو نحوه ، وأما إيصاء الولي فقط أو الزوجة فقط أو هما الشهود دون الزوج أو اتفق الزوجان والولي على الكتم دون إيصاء الشهود لم يضر ، وكذا إذا حصل الإيصاء بكتم الشهود بعد العقد وأجيب بأن مصب المبالغة قوله : [ ص: 237 ] ( عن امرأة ) للزوج متعلق بكتم وظاهره ، ولو مع إظهاره لامرأة أخرى وهو ظاهر غيره أيضا ( أو ) موصى بكتمه عن أهل ( منزل ) دون غيرهم ( أو ) بكتمه مدة ( أيام ) معينة اللخمي اليومان كالأيام وظاهر كلام المصنف أن كلام اللخمي مقابل ومحل الفسخ ( إن لم يدخل ويطل ) أي إن انتفيا معا بأن لم يدخل أو دخل ، ولم يطل فإن دخل وطال لم يفسخ واستظهر أن الطول هنا بالعرف لا بولادة الأولاد وهو ما يحصل فيه الظهور والاشتهار عادة ( وعوقبا ) أي الزوجان إن دخلا ولم يعذرا بجهل ولم يكونا مجبورين وإلا فوليهما ( و ) عوقب ( الشهود ) كذلك .

التالي السابق


( قوله : وبدأ بنكاح السر ) أي بحكمه حيث قال وفسخ إن لم يدخل ويطل وقوله : وفي ضمنه معناه أي معنى نكاح السر ; لأن قوله موصى بكتمه عن امرأة أو منزل أو أيام هو معنى نكاح السر ( قوله : وفسخ موصى بكتمه ) لا يخفى أن بكتمه نائب الفاعل فهو عمدة لا يحذف إلا أن يقال : إنه حذف الجار ، ثم المضاف فاتصل الضمير واستتر في عامله وإنما فسخ لأن الكتم من أوصاف الزنا فلما كان نكاح الموصى بكتمه شبيها بالزنا فسخ قاله شيخنا .

( قوله : عن امرأة الزوج ) أي القديمة .

( قوله : والموصي إلخ ) جملة حالية .

( قوله : الواو للحال وإن زائدة ) أي والحال أن الموصي بكتمه الشهود وهذا جواب عما يقال : إن المتبادر من المصنف أن الواو للمبالغة وأن المعنى هذا إذا كان المتواصي بكتمه الزوجة أو وليها أو هما معا بل ، ولو كان المتواصي بكتمه الشهود فقط وهذا لا يصح ; لأنه إذا كان المتواصي بكتمه الزوجة أو الولي أو هما لم يكن نكاح سر ; لأن نكاح السر هو ما أوصى فيه الزوج الشهود بكتمه عن امرأته أو عن جماعة .

( قوله : إذا لم يكن الكتم خوفا من ظالم ) أي يأخذ منه مالا وقوله : أو نحوه أي كالسحر فالوصية على الكتم خوفا من ذلك لا تضر .

( قوله : أو اتفق الزوجان والولي على الكتم ) أي وكذا لو أوصى الزوج الولي والزوجة معا أو أحدهما على الكتم لم يضر .

( قوله : على الكتم ) أي على كتمه عن امرأة الزوج أو عن جماعة .

( قوله : وأجيب إلخ ) هذا مرتبط بقوله الواو للحال ، وإن زائدة فهو جواب ثان [ ص: 237 ] وحاصله أنا نجعل الواو في قوله : وإن بكتم شهود للمبالغة لكن مصب المبالغة ليس قوله بكتم شهود بل قوله عن امرأة وحينئذ فالمعنى وفسخ نكاح موصى بكتمه هذا إذا أوصى الشهود بكتمه دائما عن كل أحد بل ، وإن أوصى الشهود بكتمه عن امرأة الزوج أو عن أهل منزل أو مدة أيام هذا ، وقد تبع الشارح فيما قاله المواق بناء على أن ما أوصى بكتمه غير الشهود ليس بنكاح سر واستدل عليه ح بقول ابن عرفة نكاح السر باطل والمشهور أنه ما أمر الشهود حين العقد بكتمه وفيه نظر والصواب إبقاء عبارة المصنف على ظاهرها وأن استكتام غير الشهود نكاح سر كما في التوضيح عن الباجي ومثله في ح ، ونص الباجي إن اتفق الزوجان والولي على كتمه ولم يعلموا البينة بذلك فهو نكاح سر ا هـ .

وفي المعونة إذا تواصوا بكتمان النكاح بطل العقد خلافا للشافعي وأبي حنيفة ا هـ بن وذكر شيخنا العدوي ما حاصله الأولى إبقاء كلام المتن على ظاهره وأن المعنى وفسخ موصى بكتمه هذا إذا كان المتواصي بكتمه الشهود والزوجة والولي بل ولو كان المتواصي بكتمه الشهود فقط دون الزوجة والولي أي والذي يوصي بكتمه هو الزوج فقط أو هو مع الزوجة فالمدار على إيصاء الشهود بالكتم أوصى غيرهم أيضا أو لا وعلى كون الموصي بالكتم هو الزوج سواء انضم لذلك أمر غيره أم لا فلو استكتمت الزوجة والولي الشهود دون الزوج لم يؤثر شيئا أو اتفق الزوجان والولي على كتمه ولم يوصوا الشهود بذلك فكذلك .

والحاصل أن في نكاح السر طريقتين طريقة الباجي وهي أن استكتام غير الشهود نكاح سر أيضا كما لو تواصى الزوجان والولي على كتمه ولم يوصوا الشهود بذلك ورجحها البدر القرافي وبن . وطريقة ابن عرفة ورجحها المواق وح وهي أن نكاح السر ما أوصي الشهود على كتمه أوصى غيرهم أيضا على كتمه أم لا ولا بد أن يكون الموصي الزوج انضم له أيضا غيره كالزوجة أم لا وكلام المصنف ممكن تمشيته على كل من الطريقتين فيحتمل أن المعنى وفسخ موصى بكتمه هذا إذا كان المتواصي بكتمه الزوجة أو الولي أو هما معا بل ولو كان المتواصي بكتمه الشهود وهي طريقة الباجي ويحتمل وفسخ موصى بكتمه ، هذا إذا كان المتواصي بكتمه الزوجة والولي والشهود بل ، لو كان المتواصي بكتمه الشهود فقط وهي طريقة ابن عرفة .

( قوله : عن امرأة ) ظاهره امرأة الزوج أو غيرها وهو ظاهر ما حكاه المصنف عن الواضحة وفي كلام ابن عرفة امرأة له .

( قوله : مدة أيام ) أي ثلاثة فأكثر كما رواه ابن حبيب .

( قوله : مقابل ) أي للمذهب حيث عبر بأيام ولم يعبر بيومين كما قال اللخمي ، وقد يقال يمكن أن الجمع في أيام في كلام المصنف لما فوق الواحد فيكون موافقا للخمي لا لما رواه ابن حبيب فتأمل .

( قوله : أي انتفيا معا ) أشار إلى أن الواو بمعنى مع وأن النفي منصب على المجموع فيصدق بالصورتين اللتين ذكرهما الشارح .

( قوله : أو دخل ولم يطل ) أي ففي هاتين الحالتين يفسخ بطلاق لأنه مختلف فيه ; لأن الشافعي وأبا حنيفة يريان جوازه وبه قال جماعة من أصحاب مالك .

( قوله : لم يفسخ ) أي على المشهور خلافا لابن الحاجب حيث قال : يفسخ بعد البناء ، ولو طال .

( قوله : وهو ) أي الطول بالعرف ما يحصل إلخ .

( قوله : وعوقبا ) أي الزوجان ظاهره ، وإن لم يحصل دخول لارتكابهم العصيان لكن قال ابن ناجي أن المعاقبة إنما تكون بعد الدخول ، وإن لم يحصل فسخ بأن طال الزمان فتقيد الشارح بالدخول تبعا له .

( قوله : ولم يعذرا ) أي والحال أنهما لم يعذرا بجهل فإن عذرا بالجهل لم يعاقبا وقوله : ولم يكونا إلخ أي والحال أنهما لم يكونا مجبورين أما إن كانا مجبورين فالذي يعاقب وليهما .

( قوله : والشهود ) الأرجح فيه النصب على أنه مفعول معه لضعف رفعه عطفا على ضمير الرفع لعدم الفصل وكلام الشارح يؤذن أنه مرفوع .

( قوله : كذلك ) أي إن حصل دخول ولم يعذرا بجهل ولم يكونا مجبورين على الكتمان



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث