الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

المسألة الثامنة في التنقيح : اعلموا وفقكم الله أن هذه الآية من أمهات الآيات ومحكماتها ; أمر الله سبحانه فيها بالقتال ، وبين كيفيته كما بينه في قوله تعالى : { فاضربوا فوق الأعناق واضربوا منهم كل [ ص: 110 ] بنان } حسبما تقدم بيانه في الأنفال ; فإذا تمكن المسلم من عنق الكافر أجهز عليه ، وإذا تمكن من ضرب يده التي يدفع بها عن نفسه ويتناول بها قتال غيره فعل ذلك به ; فإن لم يتمكن إلا ضرب فرسه التي يتوصل بها إلى مراده فيصير حينئذ راجلا مثله أو دونه ، فإن كان فوقه قصد مساواته ، وإن كان مثله قصد حطه ، والمطلوب نفسه ، والمآل إعلاء كلمة الله تعالى ; وذلك لأن الله سبحانه لما أمر بالقتال أولا ، وعلم أن ستبلغ إلى الإثخان والغلبة بين سبحانه حكم الغلبة بشد الوثاق ، فيتخير حينئذ المسلمون بين المن والفداء . وبه قال الشافعي .

وقال أبو حنيفة : إنما لهم القتل والاسترقاق ; وهذه الآية عنده منسوخة .

والصحيح إحكامها ; فإن شروط النسخ معدومة فيها من المعارضة ، وتحصيل المتقدم من المتأخر ، وقوله : { فإما تثقفنهم في الحرب فشرد بهم من خلفهم لعلهم يذكرون } فلا حجة فيه ; لأن التشريد قد يكون بالمن والفداء والقتل ، فإن طوق المن يثقل أعناق الرجال ، ويذهب بنفاسة نفوسهم ، والفداء يجحف بأموالهم ; { ولم يزل العباس تحت ثقل فداء بدر حتى أدى عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم } .

وأما قوله : { اقتلوا المشركين حيث وجدتموهم } فقد قال : واحصروهم ; فأمر بالأخذ كما أمر بالقتل .

فإن قيل : أمر بالأخذ للقتل .

قلنا : أو للمن والفداء . وقد عضدت السنة ذلك كله ; فروى مسلم { أن النبي صلى الله عليه وسلم أخذ من سلمة بن الأكوع جارية ففدى بها ناسا من المسلمين ، وقد هبط على النبي صلى الله عليه وسلم من أهل مكة قوم ، فأخذهم النبي صلى الله عليه وسلم ومن عليهم } ، وقد من على سبي هوازن ، وقتل النضر بن الحارث صبرا فقالت أخته قتيلة ترثيه : [ ص: 111 ]

يا راكبا إن الأثيل مظنة من صبح خامسة وأنت موفق     أبلغ بها ميتا بأن تحية
ما إن تزال بها النجائب تخفق     مني إليه وعبرة مسفوحة
جادت بواكفها وأخرى تخنق     فليسمعن النضر إن ناديته
إن كان يسمع ميت أو ينطق     أمحمد ولأنت ضنء كريمة
في قومها والفحل فحل معرق     ما كان ضرك لو مننت وربما
من الفتى وهو المغيظ المحنق     لو كنت قابل فدية لفديته
بأعز ما يغلى به من ينفق     والنصر أقرب من أسرت قرابة
وأحقهم لو كان عتق يعتق     ظلت رماح بني أبيه تنوشه
لله أرحام هناك تشقق     صبرا يقاد إلى المنية متعبا
رسف المقيد وهو عان موثق

فالنظر إلى الإمام حسبما بيناه في مسائل الخلاف .

وأما قوله تعالى : { حتى تضع الحرب أوزارها } فمعناه عند قوم حتى تضع الحرب آثامها يريدون بأن يسلم الكل ، فلا يبقى كافر ; ويؤول معناه إلى أن يكون المراد حتى ينقطع الجهاد ; وذلك لا يكون إلى يوم القيامة ; { لقوله صلى الله عليه وسلم : الخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة ; الأجر والمغنم } .

ومن ذكر نزول عيسى ابن مريم فإنما هو لأجل ما روي أنه إذا نزل لا يبقى كافر من أهل الكتاب ولا جزية ، ويمكن أن يبقى من لا كتاب له ، ولا يقبل منه جزية في أصح القولين . وقد بينا ذلك في كتب الحديث . المسألة التاسعة في تتميم القول : قال الحسن وعطاء : في الآية تقديم وتأخير : المعنى فضرب الرقاب حتى تضع الحرب أوزارها ، فإذا أثخنتموهم فشدوا الوثاق .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث