الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

تفسير قوله تعالى لا أقسم بهذا البلد وأنت حل بهذا البلد

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

[ ص: 126 ] سورة البلد

وهي مكية كلها بإجماعهم

بسم الله الرحمن الرحيم

لا أقسم بهذا البلد وأنت حل بهذا البلد ووالد وما ولد لقد خلقنا الإنسان في كبد أيحسب أن لن يقدر عليه أحد يقول أهلكت مالا لبدا أيحسب أن لم يره أحد ألم نجعل له عينين ولسانا وشفتين وهديناه النجدين .

قوله تعالى: لا أقسم قال الزجاج: المعنى: أقسم . و " لا " دخلت توكيدا، كقوله تعالى: لئلا يعلم أهل الكتاب [الحديد: 29] وقرأ عكرمة، ومجاهد، وأبو عمران، وأبو العالية: " لأقسم " قال الزجاج: وهذه القراءة بعيدة في العربية، وقد شرحنا هذا في أول " القيامة " .

قوله تعالى: وأنت حل بهذا البلد فيه ثلاثة أقوال .

[ ص: 127 ] و " البلد " هاهنا: مكة .

أحدها: حل لك ما صنعت في هذا البلد من قتل أو غيره، قاله ابن عباس، ومجاهد . قال الزجاج: يقال: رجل حل، وحلال، ومحل . قال المفسرون: والمعنى: إن الله تعالى وعد نبيه أن يفتح مكة على يديه بأن يحلها له، فيكون فيها حلا .

والثاني: فأنت محل بهذا البلد غير محرم في دخوله، يعني: عام الفتح، قاله الحسن، وعطاء .

والثالث: أن المشركين بهذا البلد يستحلون إخراجك وقتلك، ويحرمون قتل الصيد، حكاه الثعلبي .

قوله تعالى: ووالد وما ولد فيه ثلاثة أقوال .

أحدها: أنه آدم وما ولد، قاله الحسن، ومجاهد، والضحاك، وقتادة .

[ ص: 128 ] والثاني: أولاد إبراهيم، وما ولد: ذريته، قاله أبو عمران الجوني .

والثالث: أنه عام في كل والد وما ولد، حكاه الزجاج .

قوله تعالى: لقد خلقنا الإنسان هذا جواب القسم .

وفيمن عنى بالإنسان خمسة أقوال .

أحدها: أنه اسم جنس، وهو معنى قول ابن عباس .

والثاني: أنه أبو الأشدين الجمحي، وقد سبق ذكره، [المدثر: 29، والانفطار: 5] قاله الحسن .

[ ص: 129 ] والثالث: أنه الحارث بن عامر بن نوفل، وذلك أنه أذنب ذنبا، فأمره النبي صلى الله عليه وسلم بالكفارة، فقال لقد ذهب مالي في الكفارات، والنفقات منذ دخلت في دين محمد، قاله مقاتل .

والرابع: آدم عليه السلام، قاله ابن زيد .

والخامس: الوليد بن المغيرة، حكاه الثعلبي .

قوله تعالى: في كبد فيه ثلاثة أقوال .

أحدها: في نصب، رواه الوالبي عن ابن عباس، وبه قال الحسن، ومجاهد، وسعيد بن جبير، وأبو عبيدة، فإنهم قالوا: في شدة . قال الحسن: يكابد الشكر على السراء والصبر على الضراء، لأنه لا يخلو من أحدهما ويكابد مصائب الدنيا، وشدائد الآخرة . قال ابن قتيبة: في شدة غلبة ومكابدة لأمور الدنيا والآخرة، فعلى هذا يكون من مكابدة الأمر، وهي معاناته .

والثاني: أن المعنى: خلق منتصبا يمشي على رجلين، وسائر الحيوان [ ص: 130 ] غير منتصب، رواه مقسم عن ابن عباس، وبه قال عكرمة، والضحاك، وعطية، والفراء، فعلى هذا يكون معنى الكبد: الاستواء والاستقامة .

والثالث: في وسط السماء، قال ابن زيد: " لقد خلقنا الإنسان " يعني: آدم " في كبد " أي: في وسط السماء .

قوله تعالى أيحسب أن لن يقدر عليه أحد يعني الله عز وجل أي: [أيحسب أن] لن نقدر على بعثه، ومعاقبته؟! يقول أهلكت مالا لبدا أي: كثيرا، قال أبو عبيدة، هو فعل من التلبد، وهو المال الكثير بعضه على بعض . قال ابن قتيبة: وهو المال المتلبد، [ ص: 131 ] كأن بعضه على بعض . قال الزجاج: وهو فعل للكثرة، كما يقال: رجل حطم: إذا كان كثير الحطم . وقرأ أبو بكر الصديق رضي الله عنه، وعائشة، وأبو عبد الرحمن، وقتادة، وأبو العالية، وأبو جعفر: " لبدا " بضم اللام، وتشديد الباء مفتوحة . وقرأ عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وأبو المتوكل، وأبو عمران: " لبدا " بفتح اللام وتسكين الباء خفيفة . وقرأ عثمان بن عفان، والحسن، ومجاهد: " لبدا " برفع اللام والباء وتخفيفهما . وقرأ علي، وابن أبي الجوزاء: " لبدا " بكسر اللام، وفتح الباء مخففة .

وفيما قال لأجله ذلك قولان .

أحدهما: أنه أراد: أهلكت مالا كثيرا في عداوة محمد، قاله ابن السائب، فكأنه استطال بما أنفق .

والثاني: أنفقت في سبيل الله وفي الكفارات مالا كثيرا، قاله مقاتل . فكأنه ندم على ما أنفق .

قوله تعالى: أيحسب أن لم يره أحد يعني الله عز وجل . والمعنى: أيظن أن الله لم ير نفقته، ولم يحصها؟! وكان قد ادعى ما لم ينفق .

[ ص: 132 ] قوله تعالى: ألم نجعل له عينين والمعنى: ألم نفعل به ما يدل على أن الله قادر على بعثه؟!

قوله تعالى: وهديناه النجدين فيه ثلاثة أقوال .

أحدها: سبيل الخير والشر، قاله علي، والحسن، والفراء . وقال ابن قتيبة: يريد طريق الخير والشر . وقال الزجاج: النجدان: الطريقان الواضحان . والنجد: المرتفع من الأرض، فالمعنى: ألم نعرفه طريق الخير والشر كتبين الطريقين العاليين .

والثاني: سبيل الهدى والضلال، قاله ابن عباس . وقال مجاهد: هو سبيل الشقاوة والسعادة .

والثالث: الثديان ليتغذى بلبنهما، روي عن ابن عباس أيضا، وبه قال ابن المسيب، والضحاك، وقتادة .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث